عبء المرأة العربية لإثبات عذريّتها



 
عذريّتها في حين يتمّ تجاهل الرجال الذين يشكّلون جزءاً لا يتجزّأ من فقدان عذرية المرأة. لذلك، تُجبَر آلاف الأرامل والمطلقات وضحايا الاغتصاب في بلدان مثل باكستان والمملكة العربية السعودية على العيش على هامش الحياة الاجتماعيّة.
 
رافيا زكريا
 
After Dark in a hotel room, Bahrain 2008. © S.M. / arabimages.com
بعد الظلام في غرفة فندق، البحرين ٢٠٠٨


وقع رجال الدين المحافظين في مصر في معضلة بعد اطّلاعهم على خبر الجهاز الجديد الذي تبيعه شركة صينية يقضي بجعل كل امرأة مصريّة تستخدمه تستعيد عذريتها. ويبلغ سعر "عدّة غشاء البكارة الاصطناعي" التي توزّعه شركة "جيجيمو" Gigimo حوال 30.00 دولار ويهدف إلى مساعدة المرأة المتزوجة حديثاً على خداع زوجها لجعله يعتقد أنّها عذراء، وذلك من خلال انتاج كمية صغيرة من مادّة سائلة تشبه الدم أثناء الجماع. 


بدأ الجدل عندما بثّت محطة إذاعيّة هولندية إعلان المنتج الصيني مترجم إلى العربية. فطالب على الفور أعضاء حزب المحافظين في جماعة الإخوان المسلمين في البرلمان المصري بفرض حظر على الجهاز. وفي هذا الصدد، قال الباحث المصري البارز عبد المعطي بيومي أنّ كل من يقوم بإستيراد الجهاز يجب أن يعاقب، وصرّح بيّومي أنّ هذا المنتج يشجع على العلاقات الجنسية غير المشروعة، والثقافة الإسلامية تحرم هذه العلاقات خارج إطار الزواج. 


إنّ الجدل حول العذرية والقدرة والابتكار الجديد لاصتناعها، يصبّ في قلب المسائل المتعلقة بوضع المرأة في كثير من بلدان العالم الإسلامي. إذ تأخذ المواضيع المتعلّقة بالطهارة الأنثوية موقفاً حاسماً في تقييم المرأة والتفاوض على عقود الزواج. ففي مصر نفسها، تخضع آلاف النساء كل سنة لعملية جراحية لترميم غشاء البكارة من أجل تحقيق الشروط المسبقة للزواج أي العذريّة وتجنّب جلب العار للأسرة. 


وقد انتقلت عمليّة ترميم غشاء البكارة من الشعوب العربيّة إلى دول أوروبا مثل فرنسا حيث تخضع الشابات المسلمات للجراحة التي تبلغ مدّتها نصف ساعة وتكلّف حوال 2000 يورو (3000 دولار). غير أنّ البعض يختار اللجوء إلى تونس لإجراء العملية بتكلفة أقل. والجدير بالذكر هو أنّ هذه الجراحة معترف بها قانونيّاً في الاتحاد الأوروبي، وكذلك في الولايات المتحدة حيث تقع في خانة الجراحات الاختيارية. ولكنّ الجراحة نفسها أقل شيوعا في باكستان، حيث تتعرّض النساء للتعذيب وسوء المعاملة وصولاً إلى القتل اذا ما اكتشف أنّها فقدت عذريّتها قبل الزواج. وقد انتحر عدد كبير من الشبّات خوفاّ من المخاطرة وجلب العار لأسرهن. 


تمّ مؤخراً تناول مسألة العذريّة وما إذا كانت تشكل القيمة الكليّة للمرأة (وتجعلها غير صالحة للزواج) في محكمة في مدينة ليل الفرنسية حيث حكم القاضي مبدئياً بأن الزواج بين رجل مسلم وامرأة يمكن أن يلغى في حال كذبت العروس بشأن عذريتها. ثمّ تناولت محكمة الاستئناف الفرنسية مسألة ما إذا كانت العذريّة تشكّل "الصفة الأساسيّة للمرأة"، وانتهى الأمر بعكس القرار السابق الذي أقرّ أن الكذب بشأن العذرية يعتبر احتيالاً من شأنه أن يبرر فسخ الزواج. وبطبيعة الحال، فإن النتيجة في هذه القضية قد تختلف اختلافاً ملحوظاً في ظل الشريعة الاسلامية حيث الخداع فيما يتعلق بعذرية العروس من شأنه أن يؤدي إلى فسخ الزواج وإلغاء المهر. 


ومن المتوقّع، كما أوضحت الأنباء المصريّة، ركّز النقاش الديني حول الجهاز على حقيقة أنه يسمح للنساء بالاستخفاف بالمبدأ الديني الذي يحرّم العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج. ولا تتوفّر أي حجة تبرّر زواج الذكور من دون إثبات العذرية بما أنّ الأمر لديهم اجتماعياً رغم أنّ الرجل يتساوى مع المرأة من الناحية الدينية. والافتراض هو أنّه يجب التأكّد من عذريّة المرأة، وبالتالي يستوجب حظر المنتج الصيني، في حين يمكن غضّ النظر كليّاً عن عذريّة الرجل. أمّا الجهات التي تطالب بالمساواة الجنسيّة فتحاول تبرير القلق إزاء عذرية المرأة بدافع الحفاظ على الطهارة الجنسية في المجتمع بصفة عامة لأنه يتجاهل حقيقة أن كل فعل جنسي خارج إطار الزواج بحكم التعريف يشمل طرفين، ذكر وأنثى وكلاهما مسؤول عن أفعاله. 


في الواقع، في مصر وباكستان وفي غالبية البلدان الإسلامية هناك عبء حماية المجتمع من وهم الطهارة والتقوى التي تقع فقط على عاتق المرأة وحدها. والقول أن العذراء محترمة وغير العذراء مدنّسة، يظهر البناء الاجتماعي ووضع المرأة المقموعة والتي حيث تقتصر قيمتها ودورها على على تربية الأبناء، وإرضاء الزوج وإدارة المنزل. والأسطورة التي يتم نشرها باستمرار هي أن كل امرأة فقدت عذريّتها هي قذرة ونجسة وغير جديرة بالزواج من دون التفكير أنّ أغلبية تلك النساء من الأرامل، والمطلقات أو ضحايا الاعتداء الجنسي؛ بعبارة أخرى، يتمّ تجاهل دور وتواطؤ الذكر في خسارة عذرية الأنثى. 


لذلك، آلاف الأرامل والمطلقات وضحايا الاغتصاب في بلدان مثل باكستان والمملكة العربية السعودية يجبرن على العيش على هامش المجتمع. فلا يقتصر الأمر على عدم السماح لهنّ بالتفكير بالزواج مرة أخرى بل يتم تحميل تلك الشريحة من النساء عبء من الناحية الأخلاقية لمجرد ويحكم عليهنّ من دون رحمة إذ لم تعدن نقيّات جاهزات للزواج. غير أنّ أمثلة من التاريخ الإسلامي توحي بغير ذلك، فعلى سبيل المثال، كان الزواج الأول للنبي محمد (ص) من غير عذراء ولكنّ يتمّ تجاهل هذا الواقع. 


ومن المثير للاهتمام أيضاً، هو أنّ الجهاز الذي يوفّر شيئاً من القوّة للمرأة بوجه القيود المفروضة عليها، يتمّ استيراده من الصين تحديداً، ما يسلّط الضوء على الفوارق الشاسعة بين دول مثل الصين التي تشجّع نساءها على العمل، وبالتالي تسخير 51 ٪ من القوة العاملة لتحويلها إلى قوى عظمى، في حين دول مثل باكستان ومصر ما زالت تتنازع على تفاهات كجهاز غشاء البكارة الاصطناعي؛ تعمل المرأة الصينية لانتاج أي شيء يباع ويرفع مستوى بلدها ولا تزال المرأة المسلمة متورطة في إثبات أنّ قيمتها أهمّ من مجرّد غشاء بكارة...