ويكبيديا والمصرية... لهجة أم أزمة هوية



 
تخصص "ويكيبيديا"، الموسوعة الأشهر علي الشبكة العالمية، نطاقاً خاصاً علي صفحاتها أسمته (ويكيبيديا مصري) يتيح نشر مقالات باللهجة المصرية، بعد أن تقدم بعض مستخدمي الويكبيديا بطلب لإنشاء هذا النطاق علي أساس أن اللهجة المصرية لها مفردات وتراكيب لغوية تختلف عن العربية الفصحي، فضلاً عن استخدامها من قبل أكثر من 70 مليون نسمة.
 
أحمد عبد الحميد
 
Egypt Arabic wikipedia


"ويكيبيديا" هي أكبر دائرة معارف علي الشبكة العالمية علي الإطلاق وتشبه "دائرة المعارف البريطانية" الشهيرة،  لكنها متاحة مجاناً على الإنترنت. ويتعاون في إعداد مواد ويكيبيديا ما يزيد عن 16 ألف متطوع من أنحاء العالم. وتنشر موادها بـ250 لغة مختلفة، منها العربية.

وفي الوقت الذي دشنت ويكبيديا النسخة المصرية  في أبريل2008، وتم نشر ما يزيد عن ١٩٤ موضوعاً باللهجة المصرية، فإنها رفضت إدراج بعض اللهجات العربية الأخرى، مثل اللهجة الجزائرية المغربية واللهجة اللبنانية، بحسب موقع غلوبال فويسيس أحد المواقع المهتمة باللهجات واللغات العالمية.

واستقبل بعض مستخدمي "ويكبيديا" وكثير من المدونين وأعضاء بعض المنتديات هذه الخطوة باستهجان على اعتبار أنه لا توجد لغة تسمى باللغة المصرية، وأنها لهجة مثلها مثل اللهجات الأخرى المنتمية للغة العربية. وطالب بعض مستخدمي الموسوعة بإغلاق هذا النطاق والاكتفاء باللغة العربية وحدها، حتى لا تتكرر القصة بلهجات عربية أخرى ويتم تناسي اللغة العربية الأم.

وتساءل البعض ماذا تفعل ويكبيديا مع وجود أكثر من لهجة في مصر وحدها، كما اعتبروا أن الاعتماد على اللهجة المصرية في التوثيق وكتابة موضوعات موسوعية ومعرفية هو أمر مرفوض علمياً.

بينما عبر البعض الأخر عن قبوله بهذه الخطوة على أساس أن الموقع وسيط إلكتروني استخدم اللهجة المصرية كلغة للوصول لأكبر شريحة ممكنة، وأن هذه الخطوة في النهاية تم تبنيها في عالم افتراضي وليس في العالم الحقيقي. 
                             
صعوبة اللهجات العربية


الكاتب والشاعر المعروف أحمد عبد المعطي حجازي اعتبر هذه الخطوة من موقع "ويكبيديا" أمراً طبيعياً في عالم الإنترنت والميديا الحديثة، التي لا تتقيد بشكل للغة حين تتناول بها موضوعاتها، واعتبرها خطوة لا تعني بالمرة هدم الفصحى أو تفتيتاً لها.

وأشار إلي أن الخائفين على الفصحى هم وحدهم المعنيون بأمر الحفاظ عليها قائلاً: "من يرى أن الفصحى ستنتهي عليه أن يخدم الفصحى، وأن يعلمها جيداً للناس ويدافع عنها. فاللجوء للمنع والمصادرة هو حجة الضعفاء".

وشاركه الرأي الدكتور جابر قميحة، الشاعر والأديب الإسلامي، الذي رأى أن اللهجة المصرية هي أقرب اللهجات إلي العربية الفصيحة (اللغة العربية الدارجة) وأنها سهلة الفهم لكل الشعوب العربية بلا استثناء.

معتبراً أن اللهجة المصرية لها عمقها في الشارع العربي، لسيطرة الإعلام المصري على الشارع العربي بسبب الأفلام السينمائية والمسلسلات الإذاعية والتلفزيونية المنتجة في مصر، ومعها الأغاني المصرية في زمن شاع عنه أنه "زمن الطرب"، فباتت اللهجة المصرية مألوفة في كل أنحاء العالم العربي.

وعلل الدكتور "قميحة" استبعاد ويكبيديا للهجات العربية الأخرى نظراً لصعوبتها الشديدة على الفهم حيث يقول: "البصمة الأجنبية واضحة جداً على بعض اللهجات العربية الأخرى، خصوصاً المغربية والعُمانية والكويتية. فاللغة الفارسية مثلاً تفرض نفسها على اللهجة العامية الكويتية بشكل كبير، وكذلك بالنسبة للأردية والسنسكريتية على اللهجة العمُانية لتواجد عدد ضخم من الهنود بعُمان وقرب ساحلها من الهند".

بينما خالفهما الدكتور يوسف زيدان الأديب والباحث المصري الذي رأى أنه لا بأس من استخدام العامية في مجال المنطوق، كأن تكون مثلاً حواراً في فيلم سينمائي أو نقاشاً في برنامج تليفزيوني كل ذلك – من وجهة نظره- مجال طبيعي  للغة العربية العامية بكافة لهجاتها.

أما الكتابة بكافة أشكالها، فأكد أنه لابد فيها من الفصحى، لأن الكتابة والتدوين هو مجال اللغة الفصيحة. واعتبر أن التدوين بالعامية هو أمر هزلي لأن الألفاظ العامية التي يمكن تمييزها بسهولة وهي منطوقة يصعب في كثير من الأحيان كتابتها وفقاً لقواعد الإنشاء والإملاء عند العرب.

يضيف زيدان: "النشر والتدوين بالعامية هو من قبيل استخدامنا لغتين؛ واحدة ننقلها عن المنطوق، والأخرى نثبتها بالكتابة. وقد نستخدم بعض التعبيرات بالعامية لوظيفة معينة في عمل أدبي، لكن أن تكون النصوص كلها مكتوبة بالعامية فهذا أمر هزلي وسخيف، اللهم إلا إذا نظرنا لهذا (المكتوب) باعتباره عملاً كوميديّاً".

أزمة هوية


رأي الدكتور هيثم الحاج علي، الناقد الأدبي وأستاذ النقد الحديث بجامعة حلوان، أن ظهور مشاريع تدعم اللهجة والعامية المصرية أمر طبيعي. واعتبره رد فعل على القنوات الفضائية الممولة خليجياً منذ أكثر من عشرين عاماً لضرب اللهجة المصرية (القاهرية تحديداً) التي مثلت في فترة ما ثقافة تنويرية، وصارت لغة مشتركة يفهمها كل العرب. لذا أريد – على حد وصفه – هدمها وتغيير مسارها كأحد توابع مشروع إخراج مصر من دائرة المركزية والتفعيل في العالم العربي.

وربط الحاج علي بين اللغة والهوية والسقوط والقيام الحضاري، حيث اعتبر الأزمة التي تعيشها الأمة ليست أزمة فصحى أو عامية بقدر ما هي أزمة حضارية. وأكد على أن القيام الحضاري يتبعه بالتوالي ارتقاء العامية للفصحى وليس العكس، بينما السقوط الحضاري يتبعه نزول بالفصحى لمستوى العامية وانهيارها.

لذا نبه على أنه من الأولى أن يتم الارتقاء أولاً بقيم المجتمع وثوابته، والذي يتأهل بعدها لفهم اللغة العربية الفصحى. وأشار إلى أن جزءًا من حل الإشكالية الثقافية التي يعيشها المجتمع المصري والعربي من الممكن أن يكون حتى في العامية التي لو استُخدمت على الأقل في البداية وبشكل مرحلي تصبح عندها جسراً بين هذا الجيل وبين هويته وثقافته، ومن ثم يتم ربط هذا الجيل بالفصحى أو يصل هو وحده إليها بعد إدراكه أهميتها.

ويضيف قائلاً: "وجود جيل يتكلم الأرابيش (العربية الممزوجة بالإنجليزية)، ويكتب العربية الفرانكو (عربية مكتوبة بالحروف اللاتينية)، مع وفرة من المدارس الأجنبية تُعلم الشباب العلوم كلها باللغات الأجنبية وتعطيهم معها كل العادات والثقافة الأجنبية أفرز معها عدة "غيتوهات" منفصلة عن الواقع والمجتمع العربي يحتفلون بالفالنتين والهالوين. عندها نستطيع أن نقول أننا نعيش في "لحظة سقوط حضاري"، انفصل معها الجيل الجديد عن قيمه، ثم عن لغته سواءً كانت فصحى أو عامية. لذا فالمهم علينا ألا نعالج العرض وننسى المرض، والمرض المستفحل هنا هو السقوط الحضاري الذي نعيشه". 

اللهجات والطريق إلي الشعوبية


كان القلق من تكرار ظاهرة التشظي الذي حدث للغة اللاتينية في التاريخ الأوروبي حاضراً في كلام المعارضين لخطوة "ويكبييديا" والمتفقين على السواء. فالمشهد التاريخي يبين أنه عندما سيطرت روما فترة كبيرة على أوروبا كانت اللغة اللاتينية هي اللغة الأم للقارة العجوز، لكن عندما دب الضعف في أركان الدولة الرومانية بدأت كل قبيلة بالاستقلال عن الإمبراطورية الكبيرة، وتم إنشاء دولة لكل قبيلة تتبنى لهجتها كلغة منفصلة. ومن ثمّ تحولت كل تلك اللهجات إلى لغات، ونشأت أوروبا القارة الغنية بالغات، ومعها ظهرت القوميات والأعراق المتعددة صداع أوروبا عبر تاريخها الطويل. وعندها ربما يخشي البعض أن تذهب كل قبيلة في الوطن العربي- الذي لن يصير عربياً- بلهجتها، وتصبح عندها العربية الفصحى بلا قبيلة.

يقول هيثم الحاج علي: "الشعوبية هي المشكلة الوحيدة التي تقابل نزوع كل دولة لتبني لهجتها بشكل قوي ودعمها، وعندها ربما يحدث ظرف تاريخي مشابه لما حدث في أوروبا".

العامية والإنتاج العلمي

أوضح الصحفي والباحث ممدوح الشيخ أنه لا توجد شكوى في المجتمع المصري من التعامل مع اللغة العربية الفصحى في التعليم أو الإعلام، ويرى أن هذه الخطوة التي قامت بها ويكبيديا سيظل تأثيرها لا يتعدى حتى النطاق النخبوي، لأن الكتاب المطبوع يظل هو المصدر الأساسي للمعرفة. لكن الفكرة - من وجهة نظره - تظل في "رمزية المعركة".

ونوه الشيخ إلي أن هناك محاولات مدعومة، ومن جهات معروفة، تحاول الدفع في اتجاه سيادة العامية على الفصحى. وضرب مثالاً بإدارة قناة "أو تي في" التي تفرض على مذيعيها التحدث بالعامية حتى في النشرات وموجزات الأخبار.

ويضيف الشيخ قائلاً: "شريف الشوباشي كشف في كتابه الشهير" لتحيا اللغة العربية.. ويسقط سيبويه " أن طه حسين عكف على وضع معجم للهجة المصرية. وهذا مؤشر خطير على أن هناك دوائر تعمل بشكل منظم، وللأسف يتم الكشف عنها مؤخراً وستظل المعركة معركة رمزية، ولن تؤثر في اللغة أو الثقافة العربية بشكل ملموس".

وتطرق "الشيخ" في كلامه إلي نقطه ثانية وهي ربطه بين إنتاج العلوم في مؤسسة ما وتوفيرها، وهي وظيفة موقع ويكبيديا، وبين احترام إجراءات الوصول لهذه الوظيفة. حيث يقول: "لا يختلف أحد أن تاريخ العلم حصل له تطور مهم جداً بعد اكتشاف المنهج التجريبي. وفكرة المنهج التجريبي الأساسية هي احترام الإجراءات وتوفير شروط موضوعية، وبالتالي احترام الإجراءات وتقديرها شرط من شروط إنتاج العلم. والمستوى الفصيح في اللغة العربية هو المستوى المعياري الذي به يتم احترام الإجراءات وضبط المنهج ومن ثم إنتاج علم، وهو ما لا يتحقق – على حد قوله – باستخدام العامية. لذا فمن وجهة نظره استخدام موقع ويكبييديا اللهجة العامية المصرية في طرحه للقضايا الإنسانية التي يتناولها هو خطأ جسيم، حيث أن الموقع يهتم بالقضايا المعرفية وليس موقعاً للتسلية أو متابعة الأحداث".

ويضيف الشيخ: "فضلاً عن أن اللهجة العامية تختلف مع المكان والزمان، فالعامية المصرية أوائل القرن العشرين غير العامية المصرية في الوقت الحالي، بل العامية نفسها تختلف في المكان الواحد (زماناً ومكاناً)، فعامية بواب عمارة في مصر الجديدة مثلاً تختلف عن عامية أستاذ جامعي يسكن في نفس العمارة. وبالتالي لدينا عدد من التعبيرات الضخمة داخل منظومة لُغوية واحدة. ويبقي السؤال كيف يمكن إنتاج علم بهذا الشكل؟"