الميول الجنسية والصراع الوطني .. أن تكون فلسطينيا ومثلياً في إسرائيل



 
لروضة مرقص كل الحق في كره الصحافة. ففي تموز/يوليو 2003، أجرت صحيفة يديعوت أحرونوت مقابلة معها حول الشعر الذي تكتبه، لكنها أعلنت للعالم كذلك أنها مثلية.
 
أروى أبو روى
 
Palestine Rawda Morkos
روضة مرقص مؤسسة جمعية أصوات

بعد ظهورها العلني، تم تكسير نوافذ سيارة روضة مرقص، وثقبت الإطارات وتلقت الشابة اتصالات هاتفية لا تعد ولا تحصى مع تهديدات بالقتل. كما خسرت مرقص وظيفتها مع الأطفال وأجبرت على العودة إلى منزل أهلها في حيفا.

تقول روضة: "كانت هذه بمثابة الكارثة بالنسبة لي. لكني لا أشعر بالمرارة، على الأقل أفهم الآن أهمية التأثير على الإعلام وتمثيل شيء مختلف".

بدلاً من الاختباء من الضوء الإعلامي، قررت روضة أن تستفيد من الوضع القاسي. فأسست منظمة "أصوات" للمثليات عام 2003، وضمت مجموعة من المثليات العربيات اللواتي يعملن على مختلف الأصعدة في تعزيز الوعي وخلق بيئة آمنة للمثليات داخل المجتمع العربي والفلسطيني.

تعتبر "أصوات" نفسها منزل جميع النساء المثليات، ومتداخلات الأجناس، ومشتهيات بنات جنسها، والمتحولات جنسياً، ومزدوجات الميل الجنسي. وقد فازت المنظمة بجائزة فيليبيه دي سوزا التي قدمتها اللجنة الدولية لحقوق المثليين والمثليات عام 2006 لحملتها الحقوقية المهمة.

تؤمن روضة أن التصوير الخاطئ للمثليين في الإعلام العربي هو ما يعيق التغيير الاجتماعي، هذا إن تم التطرق إلى القضية أصلاً.

تقول روضة لمنصات: "إن شاهدت القنوات الفضائية أو استمعت إلى الإذاعات في العالم العربي، تجد أنهم لا يأتون على ذكر كلمة "مثلي" أو يستضيفون مثلياً أو يعرضون خبراً عن المثليين، ولا مرة".

"وإن ذكروا المثلية، فلن يكون الأمر جلياً. يستخدمون كلمة "شاذ" وهذا لا يعني شيئا، فهذا الكرسي قد يكون "شاذا". لا أعتقد أن أحدا سيفهم ما يعنونه، وعند مشاهدة هذا، لن تفكر أن هناك بديلاً عن المغايرة الجنسية".

لكن غياب التغطية الإعلامية ليست سوى جزء من المشكلة: فحين يغطي الإعلام العربي قضية المثلية، يبدو أنهم قرروا مسبقا إدانة المثليين والمثليات.

دعوني أقرر ما أفكر به


في وقت سابق من هذا العام، نشرت منصات مقالاً عن برنامج "الأحمر بالخط العريض" الذي يعرض على قناة إل بي سي اللبنانية. في البرنامج، صورت العلاقة بين شخصين من الجنس الواحد بشكل خاطئ وربطت بالاستغلال الجنسي والدعارة والتربية في غياب الوالد.

تقول روضة إنه "إن أرادت مثل هذه البرامج استكشاف المثلية بجد، عليها أن تعتمد الانفتاح من دون أن تعيد التأكيد على المغايرة الجنسية باستمرار".

"إن أرادوا تقديم البديل عن المغايرة، يجب أن يفعلوا ذلك بالطريقة المناسبة. هذا يزعجني حقاً، وأود القول: دعوني أقرر ما أفكر به".

إن النظرة الخاطئة للمثلية في العالم العربي ظهرت كذلك من مصادر غير متوقعة. فقد أثنى النقاد على رواية "عمارة يعقوبيان" للكاتب المصري علاء الأسواني، لأنها كسرت الممنوعات في مصر، لكن روضة انتقدتها لتصويرها المثلية بشكل غير دقيق.

"تصور عمارة يعقوبيان المثلية بطريقة سلبية للغاية، فتظهر أن الشخص المثلي تعرض للإساءة حين كان صغيراً وأن هذا هو "العذر" لتكون "شاذا”. هذا يدعم الأفكار المنتشرة بأن الاغتصاب والإساءة الجسدية "سبب للمثلية".

تضيف روضة "على الناس أن يفهموا أن المثلية تشبه المغايرة إلى حد كبير. لا يمكنك أن تشرح سبب كونك مغايرا. يسألني الناس لماذا أنا مثلية، لكن الجواب الوحيد الذي يمكن إعطاؤه لهؤلاء هو أن تسألهم لماذا هم من المغايرين؟"

تغيير داخلي


في ما يتعلق بإلهام الإعلام العربي للتطور، تصر مرقص على أن التغيير يجب أن يأتي من داخل العالم العربي، لا من الغرب.

"لا أصدق أن تقليد الغرب سينجح، بل سيحدث التغيير المؤقت فحسب. ليس عليّ التذكير أن النساء في الغرب لم يحصلن على حق التصويت إلا مؤخراً. لذا لا أعتقد أن علينا أن نتحدث عن الغرب وكأنه مملكة الحرية. ليس الأمر أننا نفتقر لرأينا الخاص في تحديد حريتنا".

تتابع روضة: إن التغيير الاجتماعي في العالم العربي يجب أن يأتي أولا من خلال إشراك المجتمعات المحلية في العملية. وتقول أن إيجاد الطرق المناسبة "هي أفضل طريقة لتقدم الأشخاص الذين يريدون التحرك. عليهم أن يجتمعوا محلياً ثم إقليمياً للتحدث عن كيفية إحداث التغيير في العالم العربي والمسلم، الكتابة عن الأمر وإشراك الإعلام والقنوات التلفزيونية بكل انفتاح".

لكن ماذا يقف في وجه إحداث هذا التغيير بحسب روضة؟ "السياسة هي إحدى أهم العراقيل التي تواجه التغيير، إضافة إلى التقاليد المتجذّرة والصراع الوطني".

المساواة قبل كل شيء


بالنسبة للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، من الواضح أن الصراع الوطني يأتي في المقام الأول على اللائحتين الاجتماعية والسياسية، وإثارة قضايا أخرى قد تعتبر مصدر إلهاء خطر.

تشرح روضة "حين يتعلق الصراع بالدول، يرحب بنضالك وبممارسة مبادئك. لكن لحظة تود النساء، بخاصة تركيز كفاحهن على حاجاتهن الجنسية، يصبحن العدو".

"الأمر سيان بالنسبة للمثليات، والمثليين، ومشتهي الجنسين، والمتحولين جنسياً، لحظة يركزون صراعهم على هويتهم الجنسية، يعتبرون الأعداء بما أن الصراع الوطني هو الأهم".

لكن روضة ترفض الوضع الراهن وتؤكد، وربما تكون تعارض نفسها إن لم تكن تعتقد أن المساواة هي الأهم. وتقول إنها متفائلة جداً بأن التغيير مقبل في العالم العربي.

حين كشفت مرقص عن هويتها الجنسية، اعترفت أنها استهانت بمجتمعها وقدرته على فهم الفرق وتقبّله.

"كانت فترة تحدٍ بالنسبة إلينا جميعا حين كشفت عن هويتي الجنسية، لكن الأمر كان ملهما كذلك. حين كشفت عن هويتي، عارضني الكثيرون وواجهوني بالكثير من العدائية. لكنهم الآن يرحبون بي في كل مكان، ويحترموني كثيرا".

من الواضح أن التغيير لا هروب منه، لكن روضة تقول إن هذا يتطلب الوقت والتفهم.

"قريتي مثل صغير عما يمكن تحقيقه. فهي مجتمع عربي محافظ للغاية، لكنهم تمكنوا من تفهم شخص واحد، فلماذا لا يتفهمون أكثر من شخص؟".