نحو مراجعة قانون الاعلام الجزائري



 
في الثالث من شهر  أيار/مايو من كل سنة يحتفل الاعلام العالمي بيوم حرية الصحافة، ويجري تقييم أحوال حرية الصحافة في جميع أنحاء العالم.ويكون هذا اليوم كذلك فرصة لتذكير الحكومات بضرورة احترام ما تعهدت به عن دعم الممارسة الصحافية وحق الصحافي في الحصول على معلومات لايصالها للمواطن البسيط. هنا لمحة عن الإعلام الجزائري بعد الرسالة التي وجهها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الى الأسرة الإعلامية الجزائرية.
 
مهدي إيدار
 
algeria.jpg


أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1993 أنه سيجري الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة يوم 3 أيار/مايو من كل سنة  تذكيراً للعالم بأن استقلالية وسائل الإعلام معرضة للتهديد في العديد من دول العالم بسبب رقابة الحكومة على الصحف وغيرها من وسائل الإعلام، وفي بعض الحالات تكون حياة الصحافيين أنفسهم مهددة وهم يعملون من أجل إلقاء الضوء على المواضيع التي تهم الرأي العام.

وفي هذه المناسبة وجه رئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة  في 2 من شهر مايو الجاري رسالة إلى الأسرة الإعلامية الجزائرية، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ توليه رئاسة البلاد عام 1999، و أكد في خطابه عشية الاحتفال باليوم العالمي لحرية التعبير، ، تقديره لما حققه الإعلام من مكاسب، على طريق تكريس مبادئ الحرية و الحق في التعبير، قائلا " و التوافق في خدمة الوطن و ترقية قيم المواطنة داخل المجتمع، و تعزيز الممارسة الديمقراطية من النشاط الطفيلي الذي كثيرا ما أساء إلى العمل الصحافي و إلى هدفه النبيل".

وحيا بوتفليقة، خلال خرجته الأولى بعد انتخابه إلى عهدة رئاسية ثالثة والتي قادته إلى تدشين بعض المشاريع بالعاصمة الجزائرية ،العاملين في حقل الإعلام الوطني، على ما قدموه من تضحيات في الماضي و خاصة خلال العشرية السوداء التي تخبطت فيها البلاد، و على ما تقدمه اليوم "لمواكبة عملية انتقال المجتمع إلى مرحلة ما بعد الإرهاب".

كما أثنى على الكفاءات الإعلامية الوطنية المتواجدة بالمهجر، منوها في ذات السياق، بأدائها و قدرتها في فرض حضورها بكبرى وسائل الإعلام العربية و الأجنبية، مشيرا إلى أن "الاعتزاز بمساهمتها في ترقية المنظومة الإعلامية الوطنية، التي سنمكنها من أدوات التطور و الانتشار في كنف مناخ تسوده المرونة و حرية المبادرة و الاحترافية"، مؤكدا بأن الحق في الإعلام لن يكون متناقضا مع التغيرات السياسية و الاجتماعية، بقدر ما يكون مؤثرا فيها، مشيرا إلى أن جهود الإعلام الوطني "يضاعف من الجهود الرامية إلى تحقيق أهداف في الأمن و ألامان و التنمية المستدامة".

واضاف ، بأن حرية الإعلام و التعبير الحر هو "ركن حصين في المشروع الديمقراطي"، ليعود بوتفليقة للتذكير بوعوده التي قدمها للأسرة الإعلامية خلال  عرضه لبرنامجه الانتخابي، خلال الحملة الانتخابية لرئاسيات 9 أبريل المنصرم، و التي أكد خلالها بأنه سيعمل من أجل تكريس الاحترام و الدعم المتواصل، من أجل تسهيل ممارسة و تطوير المهنة، و ترقية أداء مختلف المؤسسات الإعلامية، المستقلة منها أو العمومية، مؤكدا أنه سيعمل من أجل "وضع نصوص تشريعية تراعي التطور الذي فرضته ثورة الإعلام و الاتصالات الجديدة، و دعم المناهج الجديدة في مجال التكوين و تحسين الخدمات".

كما دعا بوتفليقة حكومته و الاطراف المعنية بمجال الإعلام في البلاد، إلى مباشرة بحث معمق حول الإحكام القانونية، الكفيلة بالارتقاء بالصحافة "إلى مستويات أعلى من الأداء المهني المطلوب"، مؤكدا بأن عملية معالجة التشريع الإعلامي في البلاد، من شأنها أن تكون منطلقا لوضع سياسة اتصال وطنية، مضيفا على أن الجزائر مطالبة اليوم بتواصل مع التكنولوجيات الحديثة و الرقمية، و التي قال عنها رئيس الجمهورية بأنها "ليست خيار بل حتمية".كما ختم بوتفليقة رسالته الموجهة إلى الأسرة الإعلامية، بحثهم على إرساء ثقافة أخلاقيات المهنة، و التعامل مع القضايا بالموضوعية و الحياد، لضمان مصداقيتها، التي قال بأنها هي التي تضمن لها الاحترام و الديمومة.

نظرة في واقع الاعلام الجزائري


يعتبر قطاع الاعلام في الجزائر من اغنى القطاعات في الوطن العربي و هذا من حيث عدد الصحف التي تنشر وحتى من حيث كمية السحب و التي بلغت حسب احصائيات سنة 2008 2.43 مليون نسخة يوميا و يضم هذا القطاع ما يقارب 300 عنوان و من بينه 70 يومية من بينها57 عامة و3 اقتصادية و5 رياضية بمعدل سحب يصل الى16 ر2 مليون نسخة. و من بين65 يومية32 عنوان يصدر باللغة العربية بسحب يضاهي255 ر1 مليون نسخة و33 عنوان صادر باللغة الفرنسية بسحب يقدر ب900 ألف نسخة يوميا.

و فيما يخص الاسبوعيات تم تسجيل89 اصدارا منها76 اصدارا متخصصا و137 مجلة ذات اصدار غير منتظم. كما يتم توزيع57 عنوانا للصحافة الاجنبية بصفة منتظمة في الجزائر. و فيما يخص نقاط البيع تمت الاشارة الى انه على مستوى48 ولاية هناك تسع ولايات فقط تظل دون المعايير التي حددتها منظمة اليونيسكو (نقطة بيع لكل 10000 ساكن). وفيما يخص المجال السمعي البصري ففي الجزائر ما يقارب 50 اذاعة في مختلف ولايات البلاد مع نسبة استماع ومتابعة تقدر ب70 بالمئة من السكان و خمس قنوات تلفزيونية واحدة ارضية و البقية فضائية.و تجدر الاشارة الى ان هذا القطاع يعد اليوم حوالي 4100 صحفيا من بينهم ما يقاب 3000  في الصحافة المكتوبة و تقريبا 1100 في السمعي البصري .

لمحة في تاريخ الصحافة


انتقلت الصحافة الجزائرية وبطريقة غير متوقعة من صحافة ثورية أو شبه رسمية إلى صحافة متعددة من حيث الملكية ومن حيث التوجهات السياسية والأيديولوجية. حدث هذا في مطلع التسعينات من القرن الماضي حيث كفل دستور 1989 و بعده قانون الإعلام لعام 1990 هذا التعـدد والتنوع.

لقد شاءت الصدف أن تولد التجربة في خضم حالة من الإحتقان والانسداد السياسي الذي تبعه انفجار أمني لا سابق له في تاريخ الجزائر المستقلة. وهكذا دفعت الصحافة الجزائرية ثمنا غاليا قصد استمرار التجربة وتطورها.
 
وبدأت التعددية الاعلامية في الجزائر بعدما تم  تعديل الدستور في  22 فبراير 1989 و الذي اعلن عنه الرئيس الاسبق الشادلي بن جديد وجاء هذا التعديل ليعلن عن ميلاد التعددية الحزبية بعدما كان حزب واحد يسيطر على الامور السياسية في البلاد وتم تعديل الدستور  بعد الاحداث التي عرفتها عدة مدن جزائرية  في 5 أكتوبر 1988  بسبب  الأوضاع المزرية والقاسية التي كان يعاني منها المواطن  واستفحال ظاهرة البيروقراطية التي أدت إلى فقدان الثقة في النظام السياسي الحاكم.
 
و في  3 من  شهر أبريل 1990 صدر قانون  قانون 90 ـ 07و  المتعلق بقطاع الاعلام و الذي قام بتنظيم القطاع في مختلف جوانبه .

فقبل 1990 كانت في الجزائر 6 يوميات أربعة باللغة العربية هي الشعب، النصر، الجمهورية و المساء واثنتين بالغة الفرنسية هي المجاهد وأوريزون و التي كانت حكومية و بعد القانون ظهرت عدة صحف كجريدة الوطن الناطقة بالفرنسية و التي تاسست في 08 أكتوبر 1990 أي في الذكرى الثانية لأحداث أكتوبر 1988 و جريدة الخبر بالغة العربية . و فيما يتعلق بالقطاع السمعي البصري فكان و لا يزال حكرا على الدولة الجزائرية وترفض حتى الان فتحه للخواص.

من الارهاب الى المصالحة الوطنية

واكبت الصحافة الجزائرية منذ التسعينات مرحلتين أساسيتين هما مرحلة الأزمة الأمنية ومرحلة المصالحة الوطنية،وذلك انطلاقا من كون الصحافة مثلت مفصلا هاما في الموضوع كآداة هامة في معالجة الأزمة والإنتقال بالجزائر من حالة التطاحن والتناحر إلى حالة التحاور والتصالح.

وعرف تاريخ الاعلام الجزائري بعد التعددية الحزبية عدة عقبات وكان ابرزها في تسعينات القرن الماضي و التي كانت الجزائر تعاني من صراع داخلي وصل الى حد الاقتتال بين الاخوة و راح ضحية هذا الخلاف السياسي و الاديولوجي الالاف من ابناء هذا الوطن وبعد انتخاب عبد العزيز بوتفليقة  رئيس للجزائر سنة 1999 تغيرت الامور وانتهى مسلسل الرعب الذي دام اكثر من عشر سنوات وهذا بفضل قانون الوئام المدني و الذي سمح بفتح صفحة جديدة في تاريخ الجزائر المعاصرة .وبتغير الوضع الذي تغير معه الاعلام الجزائري اذ بعدما كان يندد بالاعمال الارهابية اصبح يدعو للمصالحة الوطنية.

ورغم الدور الفعال الذي قام به الاعلام خلال هاتين المرحلتين  الا انه وجد نفسه خارج اهتمامات مختلف الحكومات المتعاقبة على الحكم رغم انه تم تدوال عدة مشاريع على ازقة القصر الحكومي الا انها بقيت حبيسة الادراج وتبقى الاسباب مجهولة حتى الان.

حرية الرأي ....بقيود


لا يمكن لاي بلد في العالم ان تكون به حرية الصحافة الا اذا قدمت حكومته ضمانات  يأكدها دستور البلاد  و تمتد تلك الحرية لتشمل جمع الأخبار والعمليات المتعلقة بالحصول على المعلومات الخبرية بقصد النشر. ومن صلاحية الحكومة تحديد ماهي المعلومات المتاحة للعامة وما هي المعلومات المحمية من النشر للعامة بالإستناد إلى تصنيفها من حساسة و سرية للغاية و سرية أو محمية من النشر بسبب تأثير المعلومات على امن المواطنين و البلاد .فنفس الشيء نجده في الجزائر و الدستور ينص على ذلك . وتقوم مختلف وسائل الاعلام بنشر الاخبار و التحقيقات التي تكشف الحائق وتفضح المستور.كان هذا قبل تعديل قانون العقوبات في ماته 144 و 144 مكرر.

تغير التوجه الاعلامي لمختلف وسائل الاعلام الجزائرية بعد تعديل قانون العقوبات الصادر في 2001  و الذي ينص على معاقبة الصحافي و المؤسسة التي يعمل بها في قضايا القذف و اهانة رئيس الجمهورية او أية هيئة رسمية وطنية....، وفرض عقوبة السجن على الصحافيين .
اذ اصبحت كل الصحف ذات واجهة واحدة وكلها تدعم الرئيس و حكومته و كل المسؤولين على حد سواء و اصبحت الصحف تتناول الاخبار العادية عكس ما كانت عليه