هل يتصالح بوتفليقة مع الاعلام الجزائري المستقل؟



 
فاجأ الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الطبقة الاعلامية الجزائرية خلال الكلمة التي القاها بمناسبة أدائه لليمين الدستوري يوم الاحد 19 ابريل من الشهر الجاري بقصر الأمم بالجزائر العاصمة حين وعد الصحافة الجزائرية بتعزيز استقلالية مهنة المتاعب ودعا الصحافيين الى مساعدته على محاربة الفساد والرشوة.
 
مهدي إيدار
 
bouteflika.jpg


بحضور الرؤساء السابقين للجزائر كأحمد بن بلة والشاذلي بن جديد وعلي كافي، إلى جانب أعضاء الحكومة و أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمد في الجزائر، فضلا عن عدد من الشخصيات السياسية والتاريخية، وعد عبدالعزيز بوتفليقة الصحافة الجزائرية بتعزيز استقلالية مهنة المتاعب داعيا إياهم إلى مساعدته على محاربة الفساد والرشوة، وأكد احترامه لحرية الاعلام، مؤكدا أنها جزء أساسي من المشروع الديمقراطي.وأشار إلى أن الدولة حريصة على تسهيل ممارسة وتطور مهنة الصحافة أكثر فأكثر وعلى جميع الأصعدة.

وتعتبر هذه التصريحات تغيير كبير في علاقة الصحافة المستقلة بالرئيس بوتفليقة خاصة انه تم خلال عهدته الثانية  بـتعديل المادة 144 و 144 مكرر من قانون العقوبات الصادر في 2001 و الذي ينص على معاقبة الصحفي و المؤسسة التي يعمل بها في قضايا القذف و اهانة رئيس الجمهورية او أية هيئة رسمية وطنية....، وفرض عقوبة السجن على الصحافيين .

و بسبب هذا التعديل أضحت الأغلبية الساحقة من الصحف الجزائرية المستقلة لا تتجرأ على انتقاد الرئيس و حتى الحكومة ، و تحولت إلى أكبر مؤيد ومساند لقراراته وسياساته و ظهر ذلك جليا خلال الحملة الانتخابية لرئاسيات 9 نيسان\ابريل المنصرمة اذ اضحت هذه الصحف منبر لبرنامج الرئيس المترشح، إلا أن بعض الصحف حافظت على استقلاليتها وواصلت انتقادها للسياسات التي تراها غير مناسبة ، وانتقدت حتى تعديل الدستور الذي سمح للرئيس بوتفليقة بالترشح لولاية ثالثة وقدمت حصيلة سلبية.
 
واعتبرت الصحفية فاطمة الزهراء العاملة باحدى الصحف المستقلة  ان تصريح الرئيس "اعتراف بأن حرية الاعلام في الجزائر  منتهكة و لم تكن محترمة  و متناقضة مع تصريحاته السابقة و تساءلت كيف يمكن ان نطلب من الصحافي ان يحارب الفساد في الجزائر و المادتين 144 و 144 مكرر من قانون العقوبات  تقفان عائق امام العمل الصحفي؟ و بسببهما اصبح هذا الاخير متخوف اكثر من اي وقت مضى من التحقيق في هذا النوع من القضايا  خاصة انهما تفرضان على الصحافي رقابة ذاتية؟"

و في نفس الاطار اكد صحافي في جريدة مستقلة ان مطالبة بوتفليقة وسائل الاعلام بالتحقيق في قضايا الفساد امر غير طبيعي. كيف يمكن للاعلام العمل في مكان القضاء او مصالح الامن !وتمنى ان يفي الرئيس بوعوده تجاه مهنة المتاعب واعادة النظر في قانون الاعلام خاصة ان الوقت قد حان لاعادة هيكلة قطاع الاعلام بصفة عامة وسن قوانين جديدة تسمح للصحافي بممارسة عمله في احسن الظروف.

قانون العقوبات النقطة السوداء

تحدّث الرئيس بوتفليقة عن حرية الصحافة التي وعد بترقيتها، واثار هذا الخطاب عددا من التساؤلات...اذ لايمكن الحديث عن حرية التعبير بدون إلغاء التجريم عن الكتابة الصحفية، وهو المطلب الذي ظل الصحافيون والناشطون السياسيون يطالبون بإلغائه منذ صدوره في قانون العقوبات لسنة ,2001 وهو القانون الذي وضع الصحافة تحت طائلة قانون العقوبات، وكذلك بقاء المجال السمعي البصري حكرا للدولة الجزائرية ، وهو الأمر الذي جعل الكثيرين يتهمون الرئيس بتقييد حرية التعبير، رغم ان فترة حكمه السابقة (عهدتين)عرفت إعتمادات لعدد كبير من  الصحف الخاصة.

والآن بدا من خطاب الرئيس أن الصحافة ستكون في صلب اهتمامه، اهتمام يرى النقابيون أنه يبدأ عندما تلغي الدولة التعامل مع الصحافيين بموجب قانون العقوبات. أما المتتبعون الأكاديميون فيرون أن الاهتمام بالصحافة يكون بترقية التكوين والاهتمام به من أجل ضمان احترافيتها، في حين يركز بعض النقابيين على أن اهتمام الدولة بالقطاع يجب أن يكون شاملا، بداية من ضمان الحقوق الإجتماعية للصحافيين إلى تكوينهم مرورا بالبحث عن أطر أخرى للتعامل معهم خارج القانون التجاري وقانون العقوبات، والأهم من ذلك تسهيل الوصول إلى مصادر الخبر التي هي حكرا لبعض العناوين الاعلامية على حساب الاخرى.
    
و السؤال المطروح: هل يوجد قانون للإعلام يضمن للصحفي ما له وما عليه؟ الجواب: بالطبع، القانون موجود لكن الفراغات موجودة كذلك .
لهذا لم تجد وزارة الإتصال (سابقا) من حل سوى برمجة جلسات مع ممثلي القطاع الإعلامي للعمل والإتفاق على تعديل قانون الإعلام لسد الثغرات الموجودة فيه، وهي العملية التي تأجلت عدة مرات خلال السنوات الماضية نتيجة تضارب وجهات النظر.
لكن خلال السنة الماضية، بدأت تتحول شيئا فشيئا إلى جلسات متراضية بين الطرفين ، جلسات يمكن أن نسميها بالإيجابية خاصة وأنه بات لزاما على الصحافيين الحوار من أجل تعديل القانون لحمايتهم من ضغوط المهنة حيث كانت الحكومة الجزائرية قد أصدرت مواد عقابية في قانون العقوبات المعدل عام 2001 والخاصة بحالات القذف والشتم والسب.

وأدى هذا إلى متابعة الكثير من الصحفيين قضائيا وهو ما تلخص في المادة 144 من قانون العقوبات ، ومنها القضية المشهورة للصحفي والمدير السابق ليومية "لو ماتان" الناطقة باللغة الفرنسية وتم توقيفها عن الصدور، محمد بن شيكو ، حيث تم إطلاق سراحه في يونيو/حزيران 2006م ، بعد أن قضى عقوبة السجن لمدة عامين ليـٌصدر من نفس العام مرسوم رئاسي بالعفو عن 200 صحفي سبق وأن أدينوا بالتشهير وكان قد نشر ، شهرين قبل إعادة إنتخاب رئيس الجمهورية الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة لولاية ثانية في سنة 2004 ، سيرة بعنوان بوتفليقة مخادع جزائري .

على ماذا تنص المادة 144؟

ينص القانون على أحكام بالسجن لكل الأشخاص الذي يهينون الدين الإسلامي من خلال الكتابة أو الرسوم الكاريكاتورية أو الخطابات لمدة تزيد عن خمس سنوات، وللأشخاص الذين يتعرضون بالإهانة الى البرلمان والمسؤولين والسلطات القضائية أو القوات المسلحة، كما يـٌسجن كل من يتجرأ على إهانة رئيس الجمهورية .وينص قانون الطوارئ على إتخاذ إجراءات قانونية ضد كل ما يعتبر تهديدا للدولة الجزائرية أو تهديدا للنظام العام.

تنص المادة 144 وما بعدها من قانون العقوبات على جرائم الإهانة والتعدي على أعوان الدولة وموظفيها كجنح  يمكن أن تصل في بعض الحالات حد الجنايات حسب الحالة. فقد نصت هذه المادة على أنه يعاقب بالحبس من شهرين إلى سنتين  وبغرامة تتراوح بين 1000دج و 500.000دج او بإحدى هاتين العقوبتين كل من اهان بالقول او بالإشارة والتهديد او عبر ارسال وتسليم اي شيء او الكتابة او الرسم الغير علنيين قاضيا او موظفا،او قائدا من رجال القوة العمومية.

وإذا كانت الإهانة موجهة الى قاض او عضو محلف او أكثر في جلسة علنية فتكون العقوبة  من سنة الى سنتين مع جواز نشر الحكم. اما الإهانة الموجهة إلى رئيس الجمهورية المنصوص عليها في المادة 144 مكرر فقد وسعت صور الإهانة إلى  العبارات التي يمكن أن تتضمن إهانة او سبا او قذفا  كما وسعت الإحتمالات إلى إمكانية صدور هذه الإهانة بواسطة الكتابة او الرسم أو بإستعمال آلية بث بل وأي وسيلة من الوسائل مما يوسع من مجال الإحتمالات ولا يقتصر الأمر على حصر الوسائل الممكن استعمالها . وقررت المادة 144 مكرر 1 - وهى مستحدثة - عقوبات على وسائل الإعلام  التي يمكن ان تصدر عبرها مثل تلك الإهانات وعلى مسؤوليها.

رجال الصحافة وقانون الإعلام الجديد
بظهور التعددية السياسية في الجزائر في بداية التسعينيات من القرن الماضي ، تعددت معها العناوين الصحفية المقروءة وهو تاريخ ظهور الصحافة المستقلة في الجزائر المستقلة ، حيث كان قد ظهر في بداية المطاف 17 يومية ليصبح عددها اليوم حوالي 40 صحيفة يومية ومعظمها من القطاع الخاص ، وكانت خلال كل هذه السنوات ، تجارب مريرة للناشطين الصحفيين الذين حاولوا ضمان جو عمل نزيه للصحفي من خلال مساعي للتكتل في منظمات حقوقية ترسخت الآن فيما يسمى بالنقابة الوطنية للصحافيين كما ساهمت الدولة في السنوات الأخيرة بتأسيس مجلس أخلاقيات المهنة الصحفية ، ورغم تواجدهما ميدانيا إلا أنهما لا يتمتعان بالقوة التي تمثلها التنظيمات المهنية الصحفية الدولية فهي جهات تفتقر إلى وحدة القرار وقوة التأثير.

في يناير / كانون 2007م ، دعا الإتحاد الدولي للصحفيين والنقابة الوطنية للصحفيين أثناء إجتماعهم الإقليمي ، الحكومة الجزائرية إلى إلغاء عقوبة التشهير وذلك بإلغاء المادة 144 من قانون العقوبات ووعد وزير الإتصال انذاك بدراسة الموضوع ، وتبقى بوادر الإنفراج الذي يحلم به الصحافي الجزائري واضحة من خلال الخطوة التي تمت في سنة 2008م حين تم تبني مرسوما يحدد علاقات العمل بين الصحفيين وملاك وسائل الإعلام  حيث يقوم هذا المرسوم بتزويد الصحفيين الجزائريين من القطاعين العام والخاص بإطار قانوني لتحديد مهنتهم وضمان حقوقهم إلى جانب الإعلان الجديد للرئيس الذي يضع عليه كل الصحفيين آمالهم في صياغة قانون جديد عادل لمحاربة الفساد