بعد حجب صحيفة "الطريق الجديد" التونسية: شارك في الانتخابات واصمت



 
يبدو أن لعبة "القط والفأر" بين الحكومة التونسية من جهة والأحزاب الديمقراطية التقدمية من جهة أخرى لم تبلغ حلقتها الأخيرة، فها هي السلطة الإدارية  تقوم بحجز العدد 121 من صحيفة "الطريق الجديد" الأسبوعية الناطقة باسم حركة التجديد المعارضة بشكل مقنع وغير قانوني، ما يطرح سؤالا جديدا: هل ما يزال صدر الحكومة ضيقا لهذه الدرجة، رغم اقتراب موعد الانتخابات التشريعية والرئاسية؟
 
سفيان الشورابي
 
ALTARIK.jpg


 لاحظت إدارة صحيفة "الطريق الجديد" صبيحة يوم السبت 28 آذار/مارس الماضي أن صحيفتهم لم تصل إلى أكشاك بيع الجرائد كالمعتاد.

وبالاتصال بشركة التوزيع وبعدد من الباعة ثبت أنه فعلا لم يتم إيصال العدد المذكور إلى جميع أكشاك البلاد دون أن يتم الإعلام بسر مثل هذا التصرف.

صرح أحد مسؤولي الصحيفة لـ"منصات"  قائلا أن العدد 121 من صحيفة "الطريق الجديد" الذي طبع يوم الجمعة 27 مارس/ آذار الماضي وسلم للشركة التونسية للصحافة المكلفة بالتوزيع ظهر نفس اليوم لم يتم عرضه على أية نقطة من نقاط البيع بكامل الجمهورية.

واعتبر أن ذلك عائد، حسب تقديره، إلى الإعلان الرسمي لترشيح الأمين الأول لحركة التجديد اليسارية أحمد إبراهيم لرئاسة الجمهورية. وقد جاء في الصفحة الأولى من المذكور المعني صورة المرشح وقاعة الاجتماع المكتظة بالمناصرين تحت عنوان بالأحرف الكبيرة: "سأنافس مرشح السلطة منافسة الند للند".

تعتبر مثل هذه النوعية من الخطاب وبمثل هذه اللهجة استثناء نادر الحدوث في بلد يتسم مناخه السياسي بالانغلاق المطبق شبيه بما كان يحدث بالأنظمة السوفيتية البائدة.

لكن هذه المرة، اختارت هيئة تحرير "الطريق الجديد" الرد بقوة على محاولة إلجام صوتها الذي تم بأسلوب "بلطجي"، حيث دعت إلى عقد ندوة صحفية يوم الثلاثاء 31 مارس/ آذار للتشهير بالمظلمة التي تعرضت إليها.

وكان من المفترض أن تليها محاولة للخروج إلى الشارع من طرف كوادر ومناضلي حركة التجديد للقيام بعملية توزيع الصحيفة لدى عامة المترجلين بقلب العاصمة تونس، إلا أن الحكومة تحركت بشكل ناضج وأصدرت تعليمات بإرجاع الصحيفة إلى الأكشاك وهو ما تم فعلا عشية تلك الندوة.

هذه العملية أوقعت إدارة الصحيفة في نوع من الإحراج، فكتب خالد الحداد في عموده الأسبوعي بصحيفة "الشروق" الموالية للحكومة، "وقعت هيئة تحرير الطريق الجديد وقيادة حركة التجديد في ما يشبه الورطة وذلك بسبب تواجد العدد الأخير من الجريدة في الأكشاك والحال أن ندوة صحفية برمجت للحديث عن احتجاز غير قانوني له".

الصحافي التونسي المقيم بالدوحة بسام بونني،  وردا عن سؤال بخصوص الإطار العام الذي تتنزل فيه عملية الحجب تلك، قال لمنصات "صرنا نراهن كل أسبوع على أن صحيفة ما مثل "الموقف" أو "الطريق الجديد" ستحجب بسبب أي مقال أو تحقيق، وهذا سلوك غريب من النظام الذي دأب خلال السنوات الانتخابية على تجميل صورته من خلال غض الطرف عن صحف المعارضة".

و استغرب بونني من عملية الحجب تلك معتبرا أنه، وعلى مشارف الانتخابات التي ستنعقد في خريف هذه السنة "بلغ التصعيد أشده لأسباب غير معروفة مع أنه الحكومة متأكدة من الحصول على أغلبية الأصوات كالعادة".

نفي السطات الرسمية
رسميا، نفت السلطات التونسية الاتهامات الموجهة إليها من طرف حركة التجديد ووصفتها بـ"المزاعم".

وقال مصدر رسمي في بيان  لم تنشره أية وسيلة إعلام محلية، بل نقلته وكالة يونايتد برس انترناسيونال الأمريكية أن "العدد الأخير من صحيفة "الطريق الجديد" لم يتعرض إلى أي قرار بالحجز" وأضاف المصدر في بيانه انه "بعكس الادعاءات الصادرة  عن الحزب المذكور، فإن الصحيفة موجودة في الأكشاك وهي توزع بصفة عادية ومن دون أية قيود شأنها في ذلك شأن كل الصحف الناطقة باسم أحزاب المعارضة".

غير أن مصدرا في "الطريق الجديد" قال أن العشرات من المواطنين اتصلوا هاتفيا بمقر الصحيفة وهم يتساءلون عن سبب غيبها عن الأسواق.

وأضاف المصدر أن الوزير الأول محمد الغنوشي أوفد مبعوثا خاصا عنه إلى إدارة الصحيفة لكي يتحصل على نسخة من العدد غير موجود بالأسواق.

من جهته، أكد أحمد إبراهيم، الأمين الأول لحركة التجديد والمدير المسؤول للـ"الطريق الجديد"، على وجود دوائر معينة "ما زالت تعشش في أذهانها فكرة الحزب الواحد والتطير من الرأي المخالف".

وذكر أن إدارة الصحيفة لا تعرف بالضبط الجهة المسؤولة التي وقفت وراء عملية الحجز، فالمسؤولون في شركة التوزيع تغيبوا "صدفة" أثناء محاولة الاتصال بهم للاستفسار عن سبب عدم إيصال الجريدة إلى الأكشاك، ولم تتلق إدارة "الطريق الجديد" أي بلاغ رسمي يعلمها بحجب الصحيفة.

وطالب إبراهيم بضرورة مراقبة المسؤولين الذي يصدرون التعليمات المخالفة لقوانين البلاد وصدهم عن التجاوزات التي يقومون بها والتي تطال في هذه الأيام حركة التجديد والمبادرة الوطنية من أجل الديمقراطية والتقدم ومرشحها إلى رئاسة الجمهورية. 

جدل بين الصحافيين حول حرية الإعلام
من جهته، حمل بونني الحكومة التونسية المسؤولية في الضغوطات المسلطة على صحف المعارضة وقال: "الحل بيد الحكومة. لقد قدم المجتمع التونسي كثيرا من الشهداء ونحن ماضون قدما في هذا الطريق لكن إلى أين ؟ حذار من شيء: سيأتي وقت يستحيل فيه الحوار بين كافة أطراف المجتمع لغياب منابر تكرس التعددية والاختلاف. صار التونسي يضع يده على قلبه بمجرد سماع انتقاد للدوائر الرسمية". 

أما الصحافي والباحث في علوم الإعلام والاتصال خالد الحداد، فعارض هذا الموقف وقال لمنصات "هناك تطور في نظرة السلطة لصحافة المعارضة وهذا واضح من خلال تعدد العناوين الصحافية المعارضة. لم تشهد البلاد في أي فترة سابقة هذا الكم من الصحف المعارضة والحزبية. واليوم أصبح لكل الأحزاب صحف ناطقة باسمها".

وأضاف "أعتقد أن نظرة السلطة، وخاصة في خطابها الرسمي، يدعم تواجد هذه الصحف للعب دورها في الحياة العامة في البلاد وفق الضوابط المهنية. ولا بد من التأكيد على أن هذه الصحف لا يمكنها أن تخرج بحال من الأحوال عن الضوابط المهنية لقداسة الخبر الصحفي وأخلاقيات المهنة الصحفية وذلك لتفادي أي مظاهر للصدام مع السلطة وغيرها من مكونات المجتمع".

"فهناك دور حزبي لهذه الصحف ولكن هناك كذلك ضوابط مهنية لا بد من التقيد بها للعب الدور المطلوب في إثراء الساحة الإعلامية الوطنية وتنمية واقع الحريات الصحفية والإعلامية في البلاد".

وختم بالقول "أنا أعتقد أن الصحف الحزبية التي عولت على صحافيين محترفين ومهنيين، أمكن لها أن تتواجد بشكل ايجابي في المشهد السياسي الوطني وأن تنفتح أمامها أبواب وآفاق واعدة للمستقبل الذي تتطلع كل الأطراف على أن يكون أكثر ديمقراطية وأكثر تعددية".

"لكن يبدو هذا الموقف متفائلا أكثر من اللازم، ولا يحظى بموافقة جزء كبير من الفاعلين في الوسط الصحفي التونسي الذين يعتقدون أن مساحة الحرية الإعلامية ما تزال ضيقة للغاية في سنة انتخابية من المفروض أن تفتح خلالها جميع وسائل الإعلام السيارة أمام المرشحين وأن لا يقع الضغط على صحف المعارضة وهو يبدو انه لن يتحقق في المستقبل القريب".