مجلة جسد: بين المحظور والمبتذل



 
صدر العدد الأول من مجلة اسمها "جسد" في بيروت –أين غير بيروت!- في كانون الأول 2008 . مجلة محيرة تطرح موضوعا شائكا وغير مألوف في العالم العربي: الجسد، والجنس. بعد القراءة هنا نقد لهذه التجربة.
 
ساسين كوزلي
 
jasad.jpg
من موقع مجلة جسد

أتت محيرة هذه "الجسد". أقل ما يقال أنها محيرة.

عند شراءك مجلة جسد تلاحظ بوضوح علامة بارزة تمنع من دون الواحدة والعشرون من شرائها, علما أن سعرها (15 ألف ليرة لبنانية ما يعادل عشرة دولارات أمريكية) سيقف حائلا بينها وبين كثيرين.
 
بطريقة ما, تذكرت إحساسي حين كنت أشتري المجلات الإباحية، سريعا، وبحياء، قبل أن يراني أحد ما. قد تكون دواعي التحذير قانونية، لكن يجب الإعتراف أن تحذير من هذا النوع يخلق مباشرة هالة من المحظور، ستخبرك رئيسة التحرير لاحقا أن المجلة تغوص فيه دون وجل. رغم ذلك تتساءل، أليست الثامنة عشرة سن الرشد؟

المجلة تصدرها جمانة حداد،وإن كان عبر شركتها "الجمانة للنشر والترجمة". وعلى الغلاف ذي القطع الكبير اللماع والبراق، تقرأ: مجلة فصلية متخصصة في آداب الجسد وعلومه وفنونه"، رغم ذلك، التصميم الغرافيكي و"النفَس" عامة يذكران بمجلات أزياء النساء. برّاقة لماعة وجذابة، أو هكذا تحاول أن تكون.

أن يولد نص يتطرق دون مواربة الى مواضيع الجسد، أمر محمود.

فالعلاقة بين الفرد العربي وجسده/ها عامة مشوبة بكثير من التشويش وسوء الفهم. نقرأ على الغلاف، "الجسد بين الإستقلال وسطوة الإعلان"، الإتهام هنا واضح ومشروع، لكن السطوة الأقصى على أجسادنا "العربية" هي سطوة الدين بفروعه السماوية الثلاثة. علما أن العدد المكون من 194 صفحة جبارة، يخلو من أي "تأمل أو تفكير أو بحث أو تنقيب أو إختبار أو تحدي أو تمرد…" على سياط الدين على أجسادنا الحية.

التدخل الواعي في فهمنا لآلية قمعنا عبر مصادرة علاقتنا بأجسادنا مدخله الفعلي إعلان الملكية الفردية على الجسد، وهذا يتطلب بالضرورة، إن كنا نرغب أن نكون راهنين وفاعلين، مواجهة الإنتماء "الماورائي" لأجسادنا وتطويبها "هياكل مقدسة" وأدوات تعبد فقط لا غير، كما ينبئك أي شك تقبضه أو لا تقبضه.
سطوة الإعلان غير مشكوك في سلطتها في أي مجتمع استهلاكي، لكن "التمرد" على السطوة المستجدة للإستهلاك في مجتمعنا، يجب أن لا يلهينا عن التمرد على آليات أكثر تجذرا وبالتالي أكثر صعوبة في مواجهتها.
 
صعوبة المعركة ليست مبررا لعدم خوضها.

بين غلافيها، تفرد الصفحات الهائلة كما متنوعا، وإن غير متناسق، من المواضيع والمواد.

ففي العدد الأول مثلا ثلاثة محاور يحتوي كل منها على عدد من الكتّاب. محور "أنا مثلي إذا أنا موجود" يفشل في أن يقدم صوتا مثليا أصيلا. والأصالة هنا هي بمعنى الإنتماء الفعلي الى حركة-وإن كانت أقرب منها الى حراك- مثلية نشطة في الدفاع عن المثليين والإضاءة على تمييز وإضطهاد جدي يعيشه المثليون في لبنان. المؤسف أن هكذا حراك، هو موجود فعلا، وظاهر. كما لا يمكن أن نقول بعد اليوم أن التطرق الى موضوع المثلية الجنسية هو خوض في المحرم، فمنذ التسعينات، يجد هذا "التابو" طريقه الى الإعلام السائد، ويناقش علانية.

الخوض في المحرم جديا هو الدعوة مثلا الى تغيير القوانين التي "تجرم" المثلية.

وغريب كيف لا يحضر جسد الرجل, إلا مثليا!

حتى التطرق المباشر لهذا الموضوع هنا، يختبئ خلف الكلام "نقلا عن" فيفرد الكاتب فيديل سبيتي في هذا المحور نصا ينسب فحواه الى غيره. نتقنّع نحن لنقارب ما يخجلنا، أو نُقنع الموضوع، فنقاربه عاريين مع حفظ السلامة. جمانة حداد في نهاية إفتتاحيتها، تشكر الكتّاب الذين "أسبغوا عليها (المجلة) شرف مشاركتهم". تعزو حداد هذا "الشرف" الى كون المجلة دون ماض مطمئن، لكن الخوف أن يكون القول معكوسا، أي أن الأسماء المشاركة "تشرّف" موضوع الكتابة وليس العكس.

بين الترجمة والصوت المحلي


محور "الفيتيشية", وهو موضوع يمكن أن يكون جذابا، يرتضي بنصوص إنشائية، أحدها للكاتب إبراهيم فرغلي، لا يعدو كونه "مداعبة"، وأعني بها التعبير الإنكليزي "فليرتايشن"، من الكاتب للناشرة حداد، مقتبسا نصا إبتدائيا من أحد كتبها حول غواية القدم. ومحور "الفيتيشية" هو شهوة أقدام النساء العارية.
 
المتعة الحقيقية في هذا المحور جاءت عند قراءة ترجمة مختارة من كتاب "قدم فوميكو"(1919 ) للكاتب الياباني جونيشيرو تانيزاكي.

محور "الكانيبالية" يمرّ كأنه إستعراض لـ"غرائب من حول العالم". يبرز نص واحد، للأسف غربي هو الآخر، لميشال دو مونتين ينتقد فيه رؤية عصره (القرن السادس عشر) المدينة لممارسات "كانيبالية" لشعوب أميركا اللاتينية المكتشفة حديثا.   

للمفارقة، تنجح "جسد" بتقديم نصوص مترجمة مختارة من مصادر مختلفة، فنقرأ ترجمة الناقد إسكندر حبش لمختارات من كتاب لوي كالافيرت الصادر عام 1992 "آلة النساء".

المفارقة هنا متأتية من كون معظم النصوص الجذابة هي مترجمة، في حين يتوقع القارئ نسجا محليا لخطاب منتج من واقعنا العربي أكثر منه إعادة لما كتبه الغرب عن أجساده.
 
كما نقرأ ترجمة جمانة حداد لمقتطف من كتاب "حياة كاترين م. الجنسية" للناقدة الأدبية كاترين مييه، مرفقا بمقابلة مع الناقدة المذكورة. ولكن، مرة أخرى يختبأ الكاتب، الكاتبة في هذه الحالة، خلف إسم لامع. وكأن حداد تقول خذوا أنظروا، جدية هذه الكاتبة لم تمنعها من الكتابة عن الجنس، وها أنا أحاورها، فأستحق خطابي.
 
"حياة كاترين م. الجنسية" مذكرات جنسية واضحة. لا توارب. تستذكر بوضوح وجرأة كمية "حرزانة" من الممارسة لا تختبئ خلف الأدب، بالمعنى الثقافي طبعا وليس الأخلاقي. إن كنا سنتكلم في الجنس، علينا أن نقبل جديا، أنه ليس هناك جنس أخلاقي وآخر غير أخلاقي، جنس جميل، وجنس بشع، جنس "أدبي" يعرف طريقه الى صفحات مطبوعة، وآخر يستوجب التبرير دائما.

تحتوي بعض الصفحات في كادر صغير إقتراحات للقراءة، تتعلق بالموضوع الجنسي عامة، فكرة لطيفة، لو أنها تحتوي على إقتراح واحد على الأقل من الثقافة العربية، أو لكاتب أو كاتبة عربية. تفصيل، لكن شديد الدلالة على الإنتاج الفكري الذي نغرف منه أفكارنا ولغتنا حول موضوع نقول أننا نفتح باب الحديث فيه على مصاريعه.

الجسد أم الجنس
 

أحد أسباب الحيرة السابق ذكرها، هو ما إذا كانت المجلة تتكلم عن الجسد، أم عن الجنس. قبل أن يذكرني أحدهم أن الإثنان لا يفترقا، أذكر بدوري أن الجنس فعل و الجسد قائم، معطىً. وليس بالضرورة ما يصح في الجنس يصح في الجسد، والعكس صحيح أيضا. قمع و قوننة ممارساتنا الجنسية هو جزء فقط من محاولة السيطرة على العلاقة بين الفرد وحضوره الجسماني، ومختلف التصنيفات بين ما هو طاهر و ما هو نجس الى باقي الأحكام القيمية التي تُخضع لها أجسادنا.

يضم العدد مواضيع تتعلق بالفن والجسد، للأسف يضيق المجال عن ذكرها هنا، لكن تبرز مساهمتان لافتتان للنظر والتقدير. محمد سويد وهوفيك حبشيان كلاهما يكتبان عن الجنس على الشاشة. صريحان، ومتمكنان من المرجعية البصرية والتاريخية لموضوعهما. يكتب حبشيان عن ممثلات البورنو المعاصرات بصراحة وقُرب يجعل نصه ممتعا. لا يخفي إعجابه صراحة بهذه وتلك من الممثلات اللواتي يبدو مطلعا على تاريخ كل منهن. بدون خجل غير ضروري إطلاقا، يقدم سيرة المفضلات عنده في كادرات مستقلة عبر صفحات مساهمته.


في حين أن موضوع محمد سويد حول الجنس على الشاشة، أثير على قلبه دون شك، ولا يحتاج الى شهادة من أحد في مساهماته حول "الإثارة" في السينما العربية، ولا يخفي علاقته الشخصية مع بعض رموز هذه الإثارة في نصوص سابقة. مساهمته في "جسد" يتحدث فيها سويد عن بدايات أفلام البورنو بنظرة تحليلية لمحتوها وتيماتها وتعبيراتها المختلفة بتفاصيل من يملك معرفة موسوعية عن موضوعه، مستشهدا بأفلام يبدأ تاريخها منذ 1897 !       

جميل أن نبدع فنيا في وصف وإستذكار وتخيل وتحليل رغباتنا الجنسية وأدواتها، أي أجسادنا وأجساد الآخرين، لكن ليس هذا هو المحظور، الأجساد تتلوى وتتأوه وتتراقص على شاشاتنا ليل نهار في حمى الأموال المتدفقة من البلاد النفطية على شاشات الفضائيات العربية، تحت مسمى الغناء. (وهنا اقتراح بإنشاء صناعة بورنوغرافية صريحة، تستوعب هذا الهيجان والتهييج الغنائي كله وتريحنا من أصوات لم توجد للغناء، فهذا المقصود في نهاية الغناء، أليس كذلك؟)
   
لكن الدخول في المحظور والتابو والتمرد على القمع والأحكام المسبقة لا يكون نصوص إنشائية وأدبية، تتفاوت في جودتها تفاوتا حادا، وإن تضمنت ترسانة مهيبة من أسماء معروفة مثل الطاهر بن جلون وعباس بيضون وبول شاوول وعبده وازن. ولا في إستعراض ما أنتجه غيرنا-الغربي عامة- فنيا في مقاربته للجسد. ولا في رسم كرتوني لمؤخرة إمرأة شبه عارية منحنية، وفقط! -تساءلت طويلا عن معنى هذا الرسم الذي خطه "جاد" حاف، أي دون اسم شهرة، على الصفحة 7 من المجلة، لكن دون طائل.

محظورات بقيت على حالها


الدخول في المحظور يعني الإستعداد لمعركة طويلة، ومكلفة لمن يخوضها. فالجسد يقف على الحد الفاصل بين قمع الدين والسلطة والمجتمع وأعراف بالية مدعية تحميها مؤسسات راسخة مجرد المس بصلاحياتها (كالزواج المدني مثلا، بما هو حق في إختيار شريك دون مباركة مؤسسة الدين) معروفة النتائج.
  
الدخول في المحظور يعني اليوم المطالبة بتشريع البغاء، بدل الإختباء خلف طهرانية متوهَمة. الكشف عن الإنتهاكات بحق خادمات المنازل، تلك الأجساد البحتة التي نسجنها في منازلنا. المطالبة بإلغاء التمييز بإعطاء التأشيرات لنساء من دول معينة، حكمنا نحن على إناثهن جماعيا أنهن عاهرات.

الدخول في المحظور يعني المطالبة بتربية جنسية لمراهقينا في المدارس، والوقوف بوضوح ودون مواربة الى جانب الحركة المطالبة بإلغاء تجريم المثلية قانونا. بمحاسبة "مجرمي الشرف" والإلتفات الى ضحايا صمتنا عن هذه الجرائم البربرية. الدخول في المحظور يعني فتح باب النقاش واسعا حول سوية عمليات الإجهاض السرية، وما إذا كان من الضروري تشريعها لتأمين معالجة صحية وآمنة لمن ترغبن بالإجهاض، دون المعاملة المهينة التي تترافق مع عمليات سرية تجري في الظلام والشقق المؤجرة.

الدخول في المحظور يعني الدفاع عن الحق في المساكنة، واقع تعيشه فئة واسعة في ظل الخوف من الطَرقات على الأبواب في الخامسة صباحا.
 
محظور على مجهول الأب، الخارج وحيدا من جسد أمه، فهل سيدخل هذا "الجنين الخارج للنور"، معركة من لا تَرَفاً أدبيا لهم؟ أم أن الجسد الجميل المتناسق المشتهى المستحق للمديح هو المقصود؟      

العدد الأول هو الآن ماضي هذه المجلة، والحكم كقراء، هو على العدد الأول.