مخيّم اليرموك: فسيفساء داعمة لغزّة



 
مع بدء العدوان الاسرائيلي على غزّة، أستنفر مخيّم اليرموك وانتقل إلى ما يشبه حالة الطوارىء. ففي المخيم تظاهرة عفويّة يوميّة، إضافة لاعتصام دائم أمام جامع الوسيم، ونشاطات مختلفة تعبّر عن دعم أهل المخيم لأهلهم وشعبهم في غزة. مراسل منصات هاني نعيم جال في أكبر المخيمات الفلسطينية.
 
هاني نعيم
 
yarmouk
منظر من مخيم اليرموك

يقع مخيّم اليرموك جنوب العاصمة السوريّة، و يعتبر من أكبر التجمّعات الفلسطينيّة خارج فلسطين، إذ يضم حوالي 130 ألف فلسطيني، من لاجئي عام 1948 و1967.

المخيّم يبدو لزائره وكأنّه "فلسطين الصغرى". قراها ومدنها متواجدة على شكل شوارع ومدارس ومستشفيات ومعالم أخرى منتشرة في مختلف أركان المخيّم.. هنا حيفا، يافا، القدس، المنصورة، كفر قاسم، دير ياسين، وطبريّا.

على باب المخيّم تستقبلك لافتة عريضة كتب عليها "كلنا حماس" موقعة بأسم "آل الشهابي" (من أكبر عائلات المخيّم). هذه اليافطة جزء من البروباغندا التي تقوم بها الأحزاب دعماً للمقاومة الى جانب ملصقات وشعارات مكتوبة على الحائط . والحصة الأكبر من هذه الملصقات هي لحركة حماس وشهداؤها في العدوان، منهم أحد قيادييها العسكريّين نزار ريّان، وقائد الشرطة توفيق جبر. وللجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أيضاً ملصق تحت عنوان "وحدة + مقاومة= انتصار"، وعبارة " تحيّة لأهلنا الصامدين في غزة" مكتوبة على الجدران، توقيعها "فتح".

هذه الملصقات يضعها أيضاً أصحاب المحال، إذ نادراً ما يلحظ المارّين محلا لا يتضامن بملصق "حمساوي" أو آخر "غزّاوي". كما أن المحطات التلفزيونية لتلك المحال شبه ثابتة على قناة "الجزيرة" أم "الأقصى" التابعة لحركة حماس. بعض أصحاب المحلات رأى أن التضامن يمكن أن يكون أكثر رمزيّة، إذا رسموا، على الرصيف أمام محلاتهم، علم إسرائيل، ليدوس عليه كل عابر.

شعور بالعجز


في ظل العدوان، الشباب يعملون كخليّة نحل، فَهم "الدينامو" المحرّك لكافة النشاطات. وفي الآن ذاته، تخفي هذه المسيرات شعوراً كبيراً بالعجز. "أي عربي لديه هذا الشعور أمام ما يرى من مجازر" يقول الطالب الجامعي محمد موعد (24 سنة)، ويضيف "أقصى ما يمكن القيام به هو المشاركة بمظاهرة". تشاركه الرأي الطالبة رانيا الجشّي ( 28 سنة) معتبرة أنّ الجميع يعاني من "حالة إحباط كبيرة، وإرسال الأموال العينية لا يكفي". حتّى الأطفال المشاركون في التظاهرات يسألون ذويهم عن جدوى هذه التظاهرات وهم يرون عدد الشهداء يرتفع بعد العودة من التظاهرة. أما الموظف حسن عموّرة (23 سنة) فهو لا يشارك في التظاهرات كي لا يتصادم مع "الحمساويين"، على حد تعبيره.

أما فاطمة أبو خرج (40 سنة)، مديرة مكتبة الجيل الجديد في المركز الثقافي الفلسطيني، فتسخر من إعلان التعبئة والتجنيد في الدول العربية وغيرها، متسائلة "إلى أين سيذهب هؤلاء المتطوعين؟"، في إشارة منها إلى عدم جدوى كل هذه الحركات.

بعض الشباب لجأوا إلى دعم غزّة بوسائل "افتراضيّة" مستخدمين الشبكات الاجتماعية مثل "فايس بوك" و"ماي سبايس" و"هاي فايف". لكن هذا لا يعني بالضرورة أنّهم نجحوا بذلك. ملهم نجمة (24 سنة) يرى صعوبة بإقناع أصدقائه الغربيين بحقيقة ما يجري في غزة، معتبراً أن ذلك يعود إلى "التعتيم والتزييف الإعلامي" كما أسماه. يشاركه الرأي بشّار حمادة (18 سنة) مضيفاً "النقاش معهم صعب".

ومن الملاحظ أن عدد لا بأس به من الشباب يتابعون التظاهرات في بيروت، عمّان، والقاهرة، خصوصاً عندما يصطدمون مع الشرطة، ما يشكّل لهم "فشّة خلق" لا يمكنهم القيام بها هنا في دمشق.

مقاومة بالفن والثقافة

ليست وحدها التظاهرات وسيلة لدعم غزّة، وليست البندقيّة، وحدها، معبراً لتحرير فلسطين. فهناك من ابتدع وسائل فنيّة، دعماً لقضيتهم.

أختار ياسر جاموس (21 سنة) دعم فلسطين عبر موسيقى وأغاني الراب. فأسس، منذ 4 سنوات، فرقة "لاجئي الراب" المؤلّفة من 5 شباب. تحاكي هذه الفرقة المسائل الوطنيّة والمعيشيّة والاجتماعية. أطلقت ألبومها الأوّل منذ عامين، وتناول عدة مواضيع وطنية واجتماعية، منها: شعور اللاجىء خارج وطنه، التفكير بالعودة إلى فلسطين، عدم تحرّك الشعوب العربية ضد الحكومات، وغيرها من المسائل.
 
ومع العدوان الأخير، ألّفت الفرقة أغنية بعنوان "من قلب اللاجئين إلى غزّة"، وتدعو إلى الوحدة الوطنية الفلسطينية، وتناشد أي فلسطيني بالقول "أنا فلسطيني"، وليس "انا فتحاوي، أنا حمساوي، أنا شعبيّة.."

سجّلت الأغنية الأسبوع الماضي، وستغنّى لأول مرّة أمام الجمهور وتوزّع عليه، يوم الأثنين 19 كانون الثاني 09، ضمن فعاليّات المركز الثقافي العربي، والذي سيضم أعمال ونشاطات فنيّة أخرى داعمة لصمود غزّة.

شباب آخرون تجمّعوا في إطار ثقافي، غير سياسي، من أجل التعريف بالثقافة الفلسطينيّة، هم "صدى الشتات".

ساهمت هذه المجموعة بالعديد من النشاطات منذ بدء العدوان، منها تنظيم الاعتصام الدائم أمام مسجد الوسيم، إضافة لزيارة السفيرة الفنزويلية لشكر بلادها على طرد السفير الإسرائيلي، وقاموا بإنشاء "بازار صغير" عبارة عن أدوات وملابس (وغيرها) يعود ريعه إلى غزّة عن طريق "اللجنة الشعبية السورية لدعم الانتفاضة". كما ستقوم المجموعة بحفل وطني تحت عنوان "وحدة من أجل غزة" تدعو إليه كافة الفصائل، يكون طابعه فنّي غنائي. هذا وبدأت المجموعة، منذ يومين، بالتعاون مع اتحاد طلبة سوريا، باعتصام مفتوح في كليّة الاقتصاد- جامعة دمشق، "يضم صور عن النكبة، إضافة إلى مطرّزات تراثية فلسطينية، وصور عن غزة، إضافة لفسحة خاصة بالطلاب التشكيليين للرسم عن غزة"، كما يوضح أحد أعضائها رائد خرطبيل (27 سنة).

للتراث أيضاً مكانه في ساحة المعركة. وحسب يوسف الطيّب، الكاتب المسرحي ومدير فرقة الوعد للفنون الشعبية الفلسطينية، " الحفاظ على التراث والذاكرة من الطمس معركة أساسيّة في القضيّة".

الفرقة، التي تأسست عام 2003 تعمل في مجال الرقص الشعبي والغناء والمسرح، ستشارك إلى جانب لاجئي الراب في فعاليات المركز الثقافي العربي. إذ ستقدّم عروض تتناول: روح التحدّي، الصمود، الفداء، ورفع معنويّات الجيل الصاعد. ويختصر يوسف ما تقوم به الفرقة قائلاً "نحن نعيش الألم، ونغنّي الأمل".

من اليرموك إلى غزّة

الكثير من قاطني اليرموك لديهم أقارب وأصدقاء في غزّة. التواصل بينهم محدود، وذلك حسب الإمكانات من توفّر الإتصالات والانترنت. محمد موعد أنقطع التواصل بينه وبين أصدقائه الغزاويين منذ اليوم الخامس لبدء العدوان. "اليوم لا أعرف عنهم شيئاً" يقولها بغصّة. شاب آخر (رفض ذكر أسمه) لديه أصدقاء في جباليا ومخيم نصيرات في غزة، تحدّث إليهم آخر مرّة خلال الأسبوع الماضي، قال مواسياً لهم"انتم لستم وحدكم.. نحن إلى جانبكم"، وهو لا يعرف اليوم إن كانوا بخير أم لا. عمّة  رانيا الجشي تختبأ في حي صبرا في غزة، وبين وقت وآخر تطمئن عليها. كما أنّ محمد صعيدي (14 سنة) يتواصل، عبر الهاتف، مع أولاد عمته في جباليا، يقولون لنا "نحن بخير" ويغلقون الخط بسرعة، خوفاً من الجنود البعيدين عن بيتهم 500 متر.

آخرون استشهد أقاربهم في القصف، مثل رانيا عرفات (14 سنة) التي فقدت أبن عمّتها (عمره 29 سنة)، الأسبوع الماضي، بقصف منزله. أما باقي أقاربها فقد أنقطع التواصل معهم عبر الأنترنت، منذ اليوم الأوّل للعدوان. وهذا ما حصل أيضاً مع أقارب محمّد طلاّع (13 سنة) الذين فقدوا الاتصال معهم.

أطفال اليرموك: "إلى حماس وفتح، وقفوا هبل"

عاش أطفال المخيم يوميّات الحرب عبر التلفزيون، والمسيرات اليومية التي تجوب الشوارع قرب منازلهم. تركت آثاراً في أفكارهم وآرائهم حول فلسطين، إسرائيل، المقاومة، الأنظمة العربية.. وأشياء أخرى.

القتل الجماعي الذي مارسه جيش الاحتلال الإسرائيلي بدأت تحصد نتائجه منذ اليوم. الطفل علي خليل (5 سنوات) تأكد أكثر عبر الأحداث الأخيرة، ان "إسرائيل لا تحبنا.. عم تقتل الناس" يقولها بصوته الحزين على أبناء جيله الذين استشهدوا. ويأخذ قرار المقاومة قائلاً "يجب أن اذهب الى غزة رغم الحرب، لأقاتل".. ويسأل محمد صعيدي "ما ذنب الأطفال هناك ليموتوا هكذا؟". أمّا رانيا عرفات الغزّاوية التي لن تستطيع الذهاب إلى غزة، اليوم. فهي تقول "سأدرس، وأتعلّم، وعندما أكبر سأعود إلى بلدي". وحول جرائم إسرائيل، تقول ديانا كافية "انّهم يقصفون المكاتب الصحافية لأنهم لا يريدون ان يعرف الناس عن مجازرهم، واستخدامهم للقنابل المحرمة دولياً".
 
الأطفال أيضاً لهم موقفهم الخاص من الانقسام والتقاتل الاهلي. دعت شهد خليل (12 سنة) الفلسطينيين للقول "أنا فلسطيني.. وليس انا حمساوي او فتحاوي"، قائلة عن الانقسام بين فتح وحماس بأنه "هيدا هبل، وتخلّف". وينضم محمد صعيدي (14 سنة) إلى شهد بموقفه من الانقسام، قائلاً "يحسوا على دمهم شوي". وطلبت ميادة الطيب (17 سنة) من فتح وحماس بأن "يعوا ولو قليلاً". أما مجد طلاّع (13 سنة) فقد وصف الانقسام "بالعار الفلسطيني" داعياً الأطراف كلها للتصالح "ليكونوا يداً واحدة بوجه الصهاينة".

فيما كانت القيادات الفلسطينية تختلف فيما بينها حول الهويّة السياسية للوفد الممثل لفلسطين في مؤتمر القمّة العربية، كان ألأطفال يدعون لوقف عقد القمم لأنها "مضيعة للوقت" على حد تعبير شهد. خصوصاً وانّهم فقدوا الأمل من الأنظمة العربية ككل.

شهد ضد الأنظمة العربية، وهي متفهمة جيداً أن لا علاقة للشعب المصري بما يقوم به رئيسهم حسني مبارك، وتسأله "ماذا تخسر إذا فتحت معبر رفح؟". بينما دعا محمد صعيدي إلى "توحّد الشعوب العربيّة"، أعتبر عامر خليل (14 سنة) أن الجيوش العربية للاستعراضات والزينة، داعياً الحكام العرب إلى التوقف عن عقد القمم، واصفاً اياهم بـ"الخونة".