" الأرض بتتكلم عربي " او التاريخ ان حكى



 
للمخرجة الفلسطينية ماريز غرغور، "الارض بتتكلم عربي" فيلم حاز على 3 جوائز في الدورة الثالثة عشرة من الجائزة الدولية للفيلم الوثائقي والريبورتاج في البحر المتوسط ، لأنه سلط الضوء على فترة من التاريخ، فلسطين بين 1917 و 1948، التي تكاد تكون مجهولة.
 
سها النقاش- تورينو – إيطاليا
 
TURIN FILM FESTIVAL
ماريز غرغور في "الارض بتتكلم عربي" تعيد احياء الذاكرة الفلسطينية-ح.م.

" في النهاية، لابد أن نعلن الحقيقة على الملأ : ليس لنا حق في بناء مستوطنة وتحقيق حلم الصهيونية على ممتلكات الغير . وكوننا فعلنا هذا يعد سرقة"( الحاخام ر. بنيامين )
 
تلك عبارة كتبت على الشاشة باللغة الإنجليزية ختاماً للفيلم الوثائقي " الأرض بتتكلم عربي" للمخرجة الفلسطينية ماريز غرغور . 
 
وبقدر ما كانت الحقيقة في تلك العبارة وفي الفيلم بسيطة وساطعة بقدر ما كان تسليط الضوء عليها وتقديم الوثائق من كل نوع لإثباتها مدهشاً و ثميناً ، ليس فقط للأوروبيين اللذين شاهدوا الفيلم في إطار أعمال التحكيم "للجائزة الدولية للفيلم الوثائقي والريبورتاج في البحر المتوسط" ولكن أيضا للعرب اللذين شاركوا في الحدث . 
 
فيلم " الأرض بتتكلم عربي " حصل على ثلاث جوائز في الدورة الثالثة عشرة من الجائزة الدولية للفيلم الوثائقي والريبورتاج في البحر المتوسط التي ينظمها سنوياً المركز المتوسطي للإتصال المرئي المسموع CMCA، والتي عقدت هذا العام في مدينة تورينو الإيطالية.
 
الجائزة الأولى هي جائزة "ذاكرة المتوسط " وهو قسم من أربع أقسام رئيسية للجائزة.
الجائزة الثانية هي جائزة تقدير خاصة منحها ممثلو اتحاد الإذاعات العربية المشاركون في أعمال الجائزة ، والجائزة الثالثة هي جائزة الإذاعة التي قدمها التلفزيون الجزائري عندما قرر عرض الفيلم على شاشته .
 
عن حيثيات منح الفيلم جائزة "ذاكرة المتوسط"، قال الكاتب والمفكر الفرنسي تييري فابر رئيس لجنة التحكيم الدولية "من أجل قوة الشهادات التي قدمها الفيلم ، والتمكن من العمل الوثائقي ومن أجل أهمية الأضواء التي يسلطها الفيلم على فترة من التاريخ، فلسطين بين 1917 و1948، والتي تكاد تكون مجهولة بالنسبة لقطاعات عريضة من الرأي العام" .
 
فيلم " الأرض بتتكلم عربي "، 61 دقيقة ،هو إنتاج شركة باد موفيز – اليونان، بالمشاركة مع روز بروداكشن بفرنسا.
 
اوضحت المخرجة اليونانية باندورا موريكي، عضو لجنة التحكيم الدولية، ان انتماء الفيلم رسمياً وإنتاجياً للجنسية اليونانية لم يعن شيئاً في الواقع سوى أن صانعة الفيلم وجدت التمويل المطلوب في اليونان.
 
وقد اعربت عن إعجابها بالوثائق الثمينة التي احتواها الفيلم ، مذكرةً بأن هناك صراعات وجرائم دامية حدثت في التاريخ وليس لها وثائق مسجلة تثبتها، مستعيدةً بأسي المذابح التي استهدفت اليونانيين في إسطنبول في خمسينيات القرن الماضي .
 
الصور والوثائق النادرة التي قدمتها ماريز غرغور، مخرجة "الارض بتتكلم عربي"، جعلت من الفيلم في ذاته وثيقة تاريخية تستهدف إضاءة الحاضر واستجلاء جذوره المختفية وراء ملايين الصور والأحداث التي تنقل عن الصراع العربي الإسرائيلي كل يوم، عبر شبكات وشاشات الكرة الأرضية.
 
ارض ومخرجة...كي لا ننسى
 
وقد التقت منصات بماريز جرجور في مدينة تورينو الإيطالية في 20 يونيو 2008 بعد حصولها على جائزة "ّذاكرة المتوسط".
 " هناك ظلم . وأنا لا يمكنني الوقوف مكتوفة لرؤية هذا الظلم والطريقة التي طرد بها الفلسطينيين من بلدهم.
ومن هنا فإن كل الأفلام التي قمت بعملها كانت عن فترة ما قبل 1948.
هذه هي الفترة التي تهمني ، لأني أريد أن أدخل في عمق التاريخ .
كل ما يحدث اليوم على الأرض ما هو إلا عواقب ظلم مورس على الفلسطينيين من قبل 1948.
وفي ذلك العام، طرد اليهود الفلسطينيين من بلدهم بالقوة القسرية . ودائما أعود للتاريخ الأصلي لهذا الصراع لأنهم يتحدثون كثيرا عن القضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني الإسرائيلي ، كل هذا ما هو إلا عواقب ما فعلته الحركة الصهيونية والإيديولوجية المرتبطة بها منذ السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر والتي تمثلت في تهجير السكان الفلسطينيين من بلدهم .
 
 في "الأرض يتتكلم عربي " أتحدث عن فكر هؤلاء القادة الصهاينة اللذين أرادوا إقامة دولة لليهود في بلد كان بالفعل يسكنه أهله الفلسطينيون .
إن هذا هو ما يجعلني حريصة على أن أقول إن "الأرض بتتكلم عربي " .
(هنا انتقلت ماريز غرغور من الحديث بالفرنسية إلى العربية ) يعني قبل ما ييجوا الصهيونية ، كان فيه بلاد اسمها فلسطين . وبها البلاد كان فيه ناس عايشين فيها ، ولهلأ عايشين فيها بس تحت الاحتلال ."
 
لم يكن مكمن قوة وتأثير الفيلم فقط في ندرة وجدة اللقطات الأرشيفية والوثائق.
فكما تقول صانعة الفيلم  "هناك مواد أرشيفية غزيرة عن موضوع ترحيل الفلسطينيين او الترانسفير ، لكن المهم أن يختار المرء ما يريد أن يضعه داخل بناء الفيلم ، وأن يسير تسلسل الأفكار منطقياً من نقطة إلى أخرى حتى نصل للنهاية .[...] لقد تطلب هذا الفيلم عملا كثيرا في مرحلة البحث في المواد الأرشيفية سواء الوثائق الورقية أو المصورة حتى أمكنني الحصول على لقطات لم تذع من قبل عن القرى الفلسطينية كما كانت قبل 1948، نرى فيها الناس يعيشون داخل قراهم ، نرى النساء الفلسطينيات بزيهن المميز .
لقد وجدت مواد مصورة نادرة بالفعل ولم يسبق استخدامها وبدون هذا كله كان يستحيل صنع هذا الفيلم لأن تلك المواد المصورة عن فلسطين مكنتني من إعادة خلق الفضاء الفلسطيني كما كان في المدن والقرى الفلسطينية . وهذا شيء ثمين فعلا عندي . "
 
أشياء أخرى قيمة وثمينة احتواها "الأرض بتتكلم عربي" وهي شهادات فلسطينيين "ختايرة " ممن ولدوا ونشأوا في فلسطين ، وما زالوا يذكرون كل شيء..
يحكي هؤلاء عن مفردات حياتهم وحياة عائلاتهم، وكيف أخذت منهم بلادهم عنوة .
 
ما يميز تلك الشهادات الحية هو أنها لا تستجدي التعاطف ولكنها تؤثر في المشاهد باحترام ونبل. الرسالة غير المنطوقة التي بثها هؤلاء الفلسطينيون هي أنهم بروايتهم لتلك الحكايات البسيطة يتشبثون بفلسطين التي عرفوها وطناً ويعيدون الألوان الزاهية لصورتها من جديد، لتظل باقية مهما حدث.
 
أما ما يميز هذه الشهادات في نظر صانعة الفيلم هي أنها لأناس يمكن "أن لا يكونوا موجودين بعد سنوات. " 
 
وماريز غرغور نفسها واحدة من اللذين عايشوا النكبة في الطفولة المبكرة وغادرت مدينتها يافا مع أسرتها أثناء حرب 48 .
 
وقد خصّت منصات بقصتها .
" أول إشي أنا فلسطينية في الأصل . أبوي وأمي وستي وجدي كانوا ساكنين بيافا .
في طفولتي دايما اسمع قصص على فلسطين وكيف كانوا يعيشوا وكيف بس إجوا الإنجليز كانوا ضد اليهود وكيف كانت تنزل أمي ع الطريق وتقول Down Balfor declaration .
كل هدا كان بيرنّ بدينتي . باسمع.
كان عندي عمة ، اخت أبوي، كانت ضحية للصهيونية .
كيف ؟ كانت بتمشي بالطريق مع صاحبتها فشعلوا برميل وزتوه عليها .
فهي كلها محروقة .اشياء متل هاي. [...]
مثل كل الناس بالحرب أبوي وأمي في 48 تركوا يافا تا يروحوا ع بيروت.
ابوي كان من أول تجار البلد بيافا . كان تاجر مهم وجدي كمان . كل العائلة كانوا من التجار ."
 
ولدت ماريز غرغور في يافا وتعيش حاليا بين باريس و بيروت. 
درست بالمعهد الفرنسي للصحافة وحصلت على الدكتوراه في علوم الإعلام من جامعة باريس 2.
 
عملت صحفية ومنتجة في مكتب الإذاعة والتلفزيون الفرنسي ببيروت كما عملت في المجلس الدولي للسينما والتلفزيون في اليونسكو بباريس.
وكانت أيضا صحفية مستقلة لعدد من محطات التلفزيون الأجنبية بباريس .
 
كتبت غرغور وأنتجت عدداً من الأفلام الوثائقية هي : يافا التي لي 1997 و بعيداً عن فلسطين 1998.
كما أخرجت : فلسطينية قدّام فلسطين 1988 ، وطن بلانش    2001وأخيراً الأرض بتتكلم عربي الذي استغرق العمل فيه عامين وأطلق في ديسمبر2007 .
 
كان الفيلم عمره بضعة أشهر عندما عرض في أماكن عدة في الولايات المتحدة الأمريكية إحياء لذكرى النكبة خلال شهر مايو 2008.
كما عرض على هامش المؤتمر الدولي للأمم المتحدة حول اللاجئين الفلسطينيين في مقر منظمة اليونسكو بباريس . 
 
وعلى الأجندة مشاركة الفيلم في مهرجانات عربية و دولية منها مهرجان الإسماعيلية للافلام التسجيلية في مصر ومهرجان قرطاج السينمائي الدولي .
 
في كلمتها بعد إعلان فوز فيلمها بجائزة ذاكرة المتوسط ، دعت ماريز غرغور الحضور ممن يعملون في محطات تلفزيون أوروبية أن يأخذوا في الاعتبار أن الأفلام الفلسطينية لا تذاع في تلفزيونات أوروبا فدعتهم أن يقوموا بما في استطاعتهم ليسمع أخيرا الصوت الفلسطيني والجانب الفسلطيني من تاريخ فلسطين التاريخية .
 
 "هدا التاريخ كتير مهم لإلي . لازم نرجع للتاريخ تا نقدر نفهم شو عم بصير . وإذا ما بنرجع للتاريخ ما في شي بيقدر ينحلّ ."