"أنت محمد، صاحب الجائزة؟" فجردوه من ملابسه!



 
حمل جائزة مارثا غيلهورن العالمية وعاد بها الى وطنه. ولكن من استقبله داس على رقبته بالحذاء، بعد ان عراه تماما من ملابسه، وأمره بالانبطاح أرضاً، فيما كان آخرون يستهزئون به وبالجائزة. قصة محمد عمر، صاحب مدونة "رفح اليوم" تنقلها مراسلة منصات، علا المدهون، من المستشفى حيث يلقى علاجه، بعد ان استقبله الامن الاسرائيلي، افضل الاستقبالات.
 
علا المدهون- غزة
 
hospital mohammed omar
محمد عمر على سرير المستشفى بعد تعرضه للاهانة والضرب على يد الامن الاسرائيلي-ح.م. علا المدهون

من مدينة غزة الى رفح، توجهت مراسلة منصات، علا المدهون، للقاء زميلها الصحفي محمد.

المسافة بينها وبينه، حسب روايات التاريخ والجغرافيا، هي 30 كيلو مترا.

 

في الخامس عشر من ابريل/ نيسان 2008 كان  الاعلاميون الفلسطينيون على موعد مع فاجعة كبيرة تمثلت بمقتل زميلهم الصحفي فضل شناعة المصور الصحفي الخاص لوكالة رويترز في مدينة غزة.

 وها هم  اليوم على موعد جديد مع صدمة اخرى تمثلت في اهانة غير مسبوقة وضغوط نفسية هائلة تعرض لها  الصحفي محمد عمر المغير الذي كان عائدا من جولة أوروبية، تحدث خلالها عن المعاناة  الشديدة التي يتعرض لها الفلسطينيون يوميا في ظل الاحتلال الإسرائيلي.

 

صوت السائق الخاص قطع حبل افكارها، حين اخبرها أنها وصلت المستشفى حيث يوجد محمد.

وها هي تلقاه، ممدا على سرير في المستشفى الأوروبي في مخيم خانيوس على الحدود مع مخيم رفح جنوب قطاع غزة، ليخبر عن حجم المعاناة، وتجربة الإذلال والإهانة التي تعرض لها على أيدي سلطات الاحتلال الإسرائيلي المتواجدة في جسر اللينبي الفاصل بين الضفة الغربية والمملكة الأردنية الهاشمية.

 

لم يتمالك نفسه فسقط مغشيا عليه

 

وبدأت رواية العذاب الفلسطيني "العابر للقارات"، بعد ان كنا قد اعتدنا على العذابات المحلية.

مصيبة محمد تكمن، حسب قوله، انه ابدع في شرح معاناة شعبه وابكى اعضاء برلمان هولنديين وبريطانيين استمعوا بذهول الى ما يحدث في ذلك المكان المسمى غزة.

 

يقول محمد، هو أحد نزلاء مخيم رفح للاجئين جنوب قطاع غزة، أنه خرج مغادرا القطاع عبر جسر اللينبي بعد أن حصل على تصريح وإذن بالخروج من سلطات الاحتلال الإسرائيلي، متوجها إلى أوروبا في رحلة شرح خلالها في برلمانات اليونان والسويد وبريطانيا المعاناة اليومية التي يتعرض لها الفلسطينيون.

 

كما عرض صور شهداء فلسطينيين وأطفال حولتهم القذائف الصاروخية الإسرائيلية إلى أشلاء "ما فاجأ وأبكى الكثير من رؤساء وأعضاء تلك البرلمانات".

وأضاف "على أثر تلك الروايات والصور التي عرضت خلالها معاناة شعبي، أرسل أعضاء البرلمانات الأوروبية للسفارات الإسرائيلية رسائل اعتراض على ما يجري في القطاع، وهو ما أغاظ الاحتلال الإسرائيلي ودفعه لإبلاغ السفارة الهولندية التي خرجت من غزة بكفالتها أنه لا يرغب في عودتي إلى قطاع غزة".

 

واكمل " بعد أن أنهيت جولتي في أوروبا وحصلت على جائزة عالمية تقديرا لإبداعي في كتابة خمسة قصص في مجال العمل الصحفي، توجهت عائدا إلى وطني، إلا أنني تفاجأت بمجندة اسرائيلية تخبرني بعدم وجود تنسيق وتصريح لي بالمرور إلى غزة. ولكنها احتجزت جواز سفري وتركتني تائها غير مدرك للسبب الحقيقي وراء احتجازي لمدة تجاوزت الساعة ونصف، إلى أن قدم أحد الجنود وقام بتفتيشي بدقة شديدة قبل أن يدخلني إلى المخابرات الإسرائيلية".

 وتابع" عناصر من جهاز المخابرات الداخلية الاسرائيلية «الشاباك» الموجودين على جسر الكرامة سألوني "أنت محمد؟ أنت صاحب الجائزة؟"

 

وعندما أعطاهم رد بالإيجاب اقتاده إلى مبنى قريب و"جردوني من ملابسي بشكل كامل وبدأوا استهزاء وضرب واهانات".

" أحد عناصر الأمن هددني بإطلاق النار عليي وأشهر السلاح في وجهي، فيما داس أحدهم على رقبتي بالحذاء وأنا عارٍ تماما بعد أن أمرني بالانبطاح أرضاً، فيما كان الآخرون يستهزئون بي وبالجائزة التي فزت بها".

 

ويضيف بتأثر بالغ " لم يكتف رجال المخابرات الإسرائيلية بالإهانات والاستهزاء والضرب بل اجبروني على خلع ملابسي كاملة أثناء التفتيش والبقاء بملابسي الداخلية التي أجبروني بعد ذلك على خلعها هي الأخرى تحت تهديد السلاح".

 

وبدا محمد متأثرا بشدة على تجريده من ملابسه بشكل كامل وسط ثمانية من رجال المخابرات، بدأوا يستهزئون به وبعمله الصحفي وبالمقابلات التي أجراها مع أعضاء البرلمانات، الذين كان يحمل بطاقاتهم الشخصية في حقيبة سفره، مشيرا إلى أنهم افسدوا كل ما كان يحمل في حقائبه في حقائبه من أغراض خاصة وهدايا حملها لكل من يحب من الأهل والأصدقاء.

 

وأوضح محمد خلال حديثه لــ"منصات"، وقد بدت عليه علامات التعب والمرض والإرهاق الشديد، أنه لم يتمالك نفسه من شدة الإهانة والتعذيب، فسقط مغشيا عليه على الأرض فيما داس أحد المحققين على رقبته بالحذاء وهو يضحك أمام جميع الحاضرين في المعبر اعتقادا منه ان محمد كان يمثل ويدعي الإغماء.

 

" لقد فقدت الوعي تماما. كنت أسمع صوت المحققين من حولي وأشعر بتعذيبهم وكيف كانوا يضربوني على عيني وخلف أذني وفي صدري معتقدين أنني أدعي الإغماء وأنني في كامل وعيي.

حاولت أن أصرخ مطالبا إياهم بالتوقف.

حاولت أن أسمعهم صوتي ولكن بدون فائدة. فلقد فقدت حتى القدرة على النطق".

ويضيف "بقيت على هذه الحالة أكثر من ساعة وأنا مغمى علي وممدا على ارض المعبر على مرأى من جميع المسافرين المتواجدين هناك، إلى ان سحبني جنود الاحتلال من قدميي على الأرض ووضعوني في غرفة أخرى وجاء أحدهم – لست متأكدا إن كان طبيبا – ولكنه كان يحمل سلاح من نوع  إم 16

 

كان محمد قد بدأ يفيق من الإغماء ولكنه "لم احتمل رؤية الطبيب الإسرائيلي الذي حضر للتأكد إن كنت فاقدا بالفعل للوعي أم أدعي الإغماء. ويبدو أنه تأكد بالفعل من أنني فقدت السيطرة على أعصابي ووقعت مغشيا علي، ما جعلهم بالنهاية  يستدعون سيارة إسعاف تابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، قامت بدورها بنقلي إلى مستشفى في مدينة أريحا."

 

وقد حاول أحد المحققين أن يجبر محمد عمر على أن يوقع ورقة يخلي فيها مسؤولية الاحتلال الإسرائيلي مما تعرض له من تعذيب في المعبر، كما تخلي مسؤوليته من أي مضاعفات قد يتعرض لها في المستقبل.

" ولكنني رفضت التوقيع".

 

ما بين الجائزة والاستنكار


حاز محمد على جائزة مارثا غيلهورن العالمية (وهي جائزة قد حصل عليه المراسل الشهير روبرت فسك) «Martha Gelhorn Journalism Prize 2008» ، عن مجموعة قصص إخبارية نشرها في مجلة «تقرير واشنطن لشؤون الشرق الأوسط الأميركية"،وذلك في 16 حزيران المنصرم.

 

وكان محمد قد فاز العام الماضي بجائزة Ethnic Media Award في الولايات المتحدة لأفضل قصة صحافية على مستوى العالم عن قصته 'شارون... لماذا هدمت منزلي'.

والجدير بالذكر انه يكتب باللغة الانكليزية وتُترجم كتاباته إلى ما يزيد عن عشر لغات أجنبية أخرى كالاسبانية والفرنسية والايطالية والسويدية وغيرها.

 

أخبر محمد "منصات" انه تلقى خبر فوزه بجائزة الصحافة Martha Gelhorn البريطانية لعام 2008 من الكاتب البريطاني "جون بلجر" عضو لجنة التحكيم وأحد الكتاب المشهورين، الذي وصفه في تصريح صحفي له بأنه "صوت من لا صوت لهم"، ونتاجاته من السجن المفتوح نفسه الذي يعيش هو فيه بمثابة تسجيل إنساني لواقع اللا عدالة التي فُرضت على مجتمع نسيه معظم العالم".

 

استنكرت "كتلة الصحفي الفلسطيني" بشدة اعتداء قوات الاحتلال الإسرائيلي على المغير، معتبرة أن هذا الاعتداء يؤكد وجه الاحتلال القبيح واستمراره في انتهاك حقوق وكرامة الإنسان الفلسطيني غير آبه بالأعراف والمواثيق الدولية، مسجلا كل يوم انتهاكات جديدة في سجله الأسود الدموي.

ودعت كتلة الصحافي كافة المنظمات الدولية المعنية بالحريات الصحافية إلى التدخل والعمل على لجم قوات الاحتلال الإسرائيلي ووقف انتهاكاتها الصارخة لحرية العمل الإعلامي في الأراضي الفلسطينية.

وقالت الكتلة إنها تنتظر من المنظمات الدولية المعنية بالحريات الصحافية عدم التوقف عند بيانات الشجب والإدانة وإنما ممارسة ضغوط جدية وحقيقية على قوات الاحتلال والتي استمرأت استهداف الصحافيين الفلسطينيين وكان من ذلك اغتيال الصحافي فضل شناعة مصور وكالة رويترز للأنباء العالمية بغزة.

وشددت الكتلة على أن ممارسات الاحتلال «النازية» لن تثني الصحافي الفلسطيني عن أداء رسالته وواجبه نحو وطنه وشعبه وقضيته، بل إن هذه الممارسات تزيد الصحافيين إصراراً وثباتاً على مواصلة فضح جرائم الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة


كما أدانت نقابة الصحفيين الفلسطينيين بشدة ما قامت به أجهزة الأمن الإسرائيلية على جسر اللنبي باحتجاز الزميل الصحفي/ محمد عمر المغير عدة ساعات والتحقيق معه والمعاملة السيئة التي تم معاملته بها من خلال إجباره على خلع ملابسه والتعري وتعرضه للإهانات والضرب.

وقالت النقابة في بيان حصلت "منصات" على نسخة منه إن التصرفات الا أخلاقية والتعرض للصحفيين الفلسطينيين من قبل الأجهزة الأمنية هو مرفوض من قبلنا ومدان ونطالب الاتحاد الدولي للصحفيين ومؤسسة مراسلون بلا حدود ومجلس حماية الصحفيين في نيويورك ومؤسسات حقوق الإنسان بإدانة الاعتداءات المتكررة على الصحفيين والتحقيق فيها، وأن يقف الجميع بمسؤولياته لحماية الصحفيين الفلسطينيين من عدم تكرار مثل هذه الممارسات.

من جهته عبر رئيس الوزراء الإسرائيلي "أيهود أولمرت" عن أسفه الشديد لما تعرض له الصحفي الفلسطيني موضحا لوزير الخارجية الهولندي أنه " يشعر بحرج شديد لما تعرض له محمد على أيدي محققين إسرائيليين وأن ذلك ما كان يجب أن يحدث".

إلا أن رجال الأمن الإسرائيليين المتواجدين على جسر أللنبي ادعوا أنهم اضطرا للقيام بعملية إسعاف أولي للصحفي الفلسطيني "محمد" بعد أن سقط مغشيا عليه، أدت إلى إصابته برضوض وبعض الكدمات في جسده لم يكن القصد من وراءها التعذيب.

من جانبها أكدت السفارة الهولندية أنها ستأخذ على عاتقها رفع قضية ضد إسرائيل لمحاسبة المسئولين عن التعذيب والإهانات التي تعرض لها الصحفي محمد عمر المغير.

القصص الاخبارية التي نشرها محمد عمر  في تقرير واشنطن لشؤون الشرق الاوسط الاميركية


تناولت القصص الوضع الانساني القاسي الذي يعيشه سكان قطاع غزة جراء الحصار الاسرائيلي.

والقصص التي حاز عليها الجائزة هي:

 - "أريد ان اعيش" ، تناول من خلالها وفاة الشاب الفلسطيني محمود أبو طه 20 سنة، الذي توفي بعد أن منعته سلطات الاحتلال الإسرائيلي من السفر للعلاج من مرض السرطان الذي نخر جسده.

فبعد طول انتظار تسمح قوات الاحتلال له بالسفر مع والده الا أنهم اعتقلوا الوالد وأمروا المريض بالعودة. بدأ المرض يتفاقم رويداً رويداً ومحمد ينتظر السماح له مرة أخرى وهو يقول 'أريد أن أعيش'. وبعد عدة أيام سمحت سلطات الاحتلال له بالسفر، وما أن اجتاز معبر بيت حانون 'ايرز' الفاصل بين غزة وإسرائيل توفي محمد.

 - "أولمرت اريد ابي"،  تناول من خلالها الفتاة جمانة البالغة من العمر 7 سنوات. فقد  توفيت والدتها وهدمت قوات الاحتلال منزلها في مدينة رفح واُعتقل أبيها. تعيش الطفلة الوحيدة لأبيها مع جدتها،  وتأمل أن تلقى أباها الذي طال انتظاره.

-"خرج لصيد"، تناول خالها حياة الصيادين الفلسطينيين في قطاع غز الممزوجة بٍالخطر المزدوج؛ خطر البحر وخطر الاحتلال، فالصياد لا يعرف هل سيعود بعد أن يركب البحر أم لا؟ فربما يُقتل أو يُعتقل أو ربما يعود.

 - 'كارثة معبر رفح' ،يعرض فيها المغير معاناة المسافرين الفلسطينيين المُحتجزين على معبر رفح بعد الإغلاق الإسرائيلي المُحكم أواسط يونيو الماضي. يتناول وفاة أكثر من 35 شخصا (وقت النشر في أكتوبر 2007) والعدد في ازدياد، منهم المرضى والأطفال والطلاب ورجال الأعمال وغيرهم الذي يتعلق مستقبلهم بفتح المعبر.

- والقصة الخامسة تتحدث عن كافة أشكال المعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني كما أنها تتحدث عن شهداء وأطفال قطعت قذائف الاحتلال الإسرائيلي أجسادهم إربا إربا وحولتها إلى أشلاء ممزقة.





















اقرأ ايضا على موقع منصات
محمد عمر، صوت الذين لا صوت لهم في غزة
نشر 06/12/2008 - 12:27
Mohammen by Lattuf  بدأ محمد عمر مسيرته بتغطية مأساة البقاء تحت الحصار في مدونته "رفح توداي" (رفح اليوم). وهو اليوم يشارك بانتظام في الإعلام الدولي وقد منح جائزة "مارثا غيلهورن" للصحافة "لإعطاء صوت للذين لا صوت لهم" في بلده الأم المدمر. التقت مراسلة منصات بعمر في السويد.