هل تثير "فتنة" فتنةً؟!



 
لا ردود فعل حقيقة في العالم العربي اليوم، بعد ان عرض أخيرا عضو البرلمان الهولندي غرت ويلدرز فيلمه "فتنة". كان قد سبق عرض الفيلم احتجاجات عدّة كونه لا يحمل سوى الحقد والكراهية ضد الدين الاسلامي. لعلّ الوقت ما زال مبكرا لرصد كلما يمكنه ان يترتب عن فيلم يمسّ الاسلام. في القعر. منصات تحقّق من هولندا، مصر وبيروت.
 
wilders.jpg
يعرف ويلدرز بتسريحاته الغريبة-ح.م.

اقرأ ايضاً
من مصر:  الطنطاوي يحذّر
من لبنان:  طراف: على الغرب ان يخاف من ردود الفعل
من هولندا: "حول فتنة" او تعريف عن غرت ويلدرز


لعل أسوأ ما يمكن أن يفعله العالم الإسلامي بغيرت ويلدرز وفيلمه "فتنة" المنتقد للإسلام، هو تجاهلهما معا.

تبدو هذه ردة الفعل الأساسية على الإطلاق المبكر لفيلم "فتنة".
نعم، مرة ثانية، يظهر "فتنة" الرسوم المسيئة للرسول وهي تصوره مع قنبلة فوق رأسه. لكن هذه الصور نشرت حتى في الصحف العربية.

يستخدم الفيلم بعض العناصر المتحركة حيث تظهر القنبلة مع خيط مشتعل، إضافة إلى صوت تكتكة. لكنه لا يظهر انفجارا فعليا، بل مجرد صورة برق.
يصور "فتنة" القرآن مصحوبا بصوت تمزيق ورق، إضافة إلى صوت ويلدرز وهو يقول "ما تسمعونه هو صوت تمزيق ورقة من كتاب أرقام الهاتف. لا يعود لي أن أمزق آيات القرآن البغيضة، بل هذه مهمة المسلمين أنفسهم."

إضافة إلى ذلك، يبدو أن الفيلم موجه بشكل أساسي إلى الشعب الهولندي وحده. فقد تسبب الإحصاءات المشيرة إلى ارتفاع عدد المسلمين في هولندا أو البطاقات البريدية الهولندية التي تظهر صور جوامع، الخوف لبعض المواطنين الهولنديين لكنها لا تعتبر مسيئة للعالم الإسلامي.

في الحقيقة، إن "فتنة" يبدو كأي فيلم هواة يبث على موقع "يوتيوب". إنه عمل هواة حقا، حيث استخدم ويلدرز صورة لمغني الراب الهولندي-المغربي صلاح الدين، بدلا من صورة محمد البويري، قاتل المخرج الهولندي ثيو فان غوغ. وهدد صلاح الدين بملاحقة ويلدرز قانونيا.

بدت ردات الفعل الأولى على إطلاق الفيلم المبكر في العالم الإسلامي، ضعيفة مقارنة بموجة الغضب التي أثارها قبل صدوره.

فهولندا رفعت مستوى الحذر من الإعمال الإرهابية من "محدود" إلى "كبير" في السادس من آذار/مارس الجاري.

من جهته، حذر الاتحاد الأوروبي بعثاته الدبلوماسية حول العالم من ردود الفعل على إطلاق الفيلم.

كما انتشرت المظاهرات في أفغانستان قبل إطلاق الفيلم، حيث أحرقت دمية تشبه ويلدرز. تجدر الإشارة إلى وجود قوات هولندية في أفغانستان.

وأعرب الناتو عن مخاوفه من أن يؤدي الفيلم إلى المزيد من الهجمات ضد القوات الغربية في أفغانستان بعد التهديدات التي أطلقها ذبيح الله مجاهد من حركة طالبان في هذا الإطار.

كما زعم أن تنظيم القاعدة قد أطلق فتوى دعا فيها المسلمسن إلى قتل ويلدرز الذي يحظى بحماية من الشرطة في هولندا.

كذلك علقت شركة "نتوارك سوليوشنز"، المضيفة لموقع الفيلم على الانترنت، الموقع بانتظار تحقيق ما إن كان "محتوى الموقع يتعارض مع قوانين استخدام الشركة". لكن الفيلم بث في نهاية المطاف على موقع liveleak.com البريطاني لتبادل أشرطة الفيديو.

أما في لبنان، فقد أثار غياب العلم الهولندي عن السفارة الهولندية بعض الجدل، فيما أعلن متحدث باسم السفارة أن الأخيرة قد أقفلت أبوابها لأسباب لا علاقة لها بهذا الموضوع. يوم الجمعة، أعادت السفارة رفع العلم بكل فخر، وبدت الإجراءات الأمنية خفيفة. عام 2006، شهدت العاصمة بيروت تظاهرات عنيفة، أحرق مسلمون من السنة خلالها السفارة الدنماركية.

الشهر الماضي، حجبت باكستان موقع "يوتيوب" لما أشارت السلطات إليه على أنه شريط فيديو "كفري ومعاد للقرآن" وهو مقتطف دعائي عن فيلم "فتنة". في محاولة لحجب الشريط، تسببت باكستان خطأ بعطل أصاب موقع يوتيوب لعدة ساعات في مختلف أنحاء العالم.

يوم الاثنين الماضي، دعت منظمة "ميدياماتيك" الثقافية في أمستردام المواطنين الهولنديين إلى "صنع نسخة خاصة بهم من فيلم "فتنة" يعتذرون فيها عن تصرفات ويلدرز المعيبة". وجاء في بيان للمنظمة "إن انضم الجميع إلينا، سيكون من الصعب العثور على فيلم ويلدرز من دون الكثير من الأفلام التي تعتذر عنه."

وفشلت محاولات قضائية من منظمات مسلمة بمنع إطلاق "فتنة".
بالطبع، خشي الكثيرون، وربما هذا ما كان يأمله ويلدرز، أن يواجه المسلمون الفيلم كما فعلوا عام 2005 ردا على الرسوم الدانمركية المسيئة للرسول، أي بمظاهرات عنيفة، ما سيؤكد وجهة نظره بأن الإسلام ديانة عنيفة.

لم يحصل هذا حتى الآن، لكن بحسب ما استقاه موقع منصات من مقابلة مع الإمام والخاطب السني اللبناني بسام طراف، فالوقت لا يزال مبكرا.
المثير في الأمر أن ردة فعل المسلمين الهولنديين الأولى كان الشعور بالراحة لأن ويلدرز
لم يحرق القرآن ولم يسء للرسول، جل ما فعله هو وضع آيات من القرآن إلى جانب صور لهجمات 11 أيلول/سبتمبر والعراق، والتي أصبح الجميع على علم بها.

لكن هذا دفع عددا من الهولنديين إلى التعليق على بعض المواقع الإخبارية بأنه من المحزن أن يعرب المسلمون عن ارتياحهم بأن ويلدرز أظهر "فقط" صور أبرياء يقتلون باسم الإسلام، كما لو أنهم يوافقون على ذلك.
وكانت الرسالة المبطنة هي أن المسلمين بالإجماع لا ينتقدوا كفاية ما يحصل باسم الإسلام.

لكن، بعض الأشخاص يعارضون.
فقد نشرت صحيفة الحياة السعودية المتمركزة في بريطانيا، افتتاحية بقلم جهاد الخازن في 26 آذار/مارس يثير فيها جدلية ويلدرز. أظهر الخازن اهتمامه بويلدرز بعد قراءة مقابلة مع صحيفة "ذا أوبسيرفر". فبعث بثلاث رسائل إلى عنوان ويلدرز الخاص ومكتبه في مجلس النواب الهولندية في ثلاث مناسبات طالبا منه مقابلة، لكن ويلدرز لم يستجب.

وكتب الخازن " هناك أعداء للمسلمين، في اسرائيل ولوبي اسرائيل في أميركا وبين النازيين الجدد في أوروبا وغيرهم، غير أن أخطر عدو للإسلام والمسلمين هم الارهابيون الذين خرجوا من بيننا وكسروا شوكة المسلمين أو كادوا."
وتابع "
أستطيع أن أشتم أمّ ويلدرز وأباه، غير أن أسوأ ما يرتكب الواحد منا هو أن يُستفز ليقول ما يندم عليه، فالمطلوب هو أن نواجه ويلدرز في مناظرة مفتوحة لفضح جهله أو عنصريته وتحامله." "أتوقف هنا لأقول إن دفاعي عن الاسلام قد لا يرضي مسلمين كثيرين، الا انني لا أطلب من أي مسلم ان يقبل ما أقول، بل عليه أن يتبع شيخ الازهر أو مفتي بلاده. وهدفي من مناظرة ليس اقناع المسلمين، فهم مقتنعون بدينهم قانعون، وإنما ان أثبت ان ويلدرز (عدم المؤاخذة) حمار، أو أسوأ، أي عنصري حاقد جاهل يريد شعبية رخيصة يوفرها له الإرهاب وأمثال اسامة بن لادن، وصبغ شعره أشقر كالنساء."

كذلك، كتبت منى الطحاوي، وهي كاتبة رأي مصرية تقيم حاليا في الولايات المتحدة، افتتاحية بعنوان "عدونا اللدود الخاص" في 12 آذار/مارس، نصحت فيها المسلمين بالتغاضي عن الرسوم الدنماركية وفيلم ويلدرز والتركيز عوضا عن ذلك على العنف بين المسلمين والذي يؤدي بحياة المئات أسبوعيا في العراق، باكستان وأفغانستان.
وتقول الطحاوي "بالنسبة إلى هذه المسلمة، لن تكون الرسوم الدنماركية وأفلام الهولندية مهما كثرت، أكثر عدائية من الهجمات الانتحارية السبعة التي أودت بحياة 100 شخص على الأقل في باكستان في الأسابيع الثلاث الماضية وحدها. ما من ضربة أعنف من موت 600 شخص في باسكتان بسبب أعمال عنف منذ بداية العام".
"لكن، تحتل "فوبيا الإسلام" أولويات لائحة أعمال قمة منظمة المؤتمر الإسلامي في السنغال هذا الأسبوع."
"الإنكار؟ ليس مجرد نهر يجري في بلدي مصر، بل هو عمى لأنهر من إراقة الدماء، دماء المسلمين."
"لا أتوقع أي انتقاد ذاتي ينير المؤتمر الإسلامي. خلال اجتماع عام 2005، بعد نشر رسوم مسيئة للإسلام، بدأ "طبخ" موجة الغضب المصنع ضد الدنمارك ونشرها في العالم الإسلامي، لتكون إلهاء ممتازا عن الضغوط المحلية التي تواجه كل ديكتاتور مسلم انتهازي، والمجموعات الإسلامية المطالبة بحمل راية الإسلام."

هل يعتبر أمثال الخازن والطحاوي ممثلين لأغلبية المسلمين؟ على الأرجح لا.

فكتب الخازن " أتوقف هنا لأقول إن دفاعي عن الاسلام قد لا يرضي مسلمين كثيرين، الا انني لا أطلب من أي مسلم ان يقبل ما أقول، بل عليه أن يتبع شيخ الازهر أو مفتي بلاده." ويتابع " أدين الإرهاب من أي مصدر ولأي سبب، وأدين الذي يمارسه، كما أدين الذي يشجع على ممارسته، فالتطرف يشجع على التطرف، ثم أدين الإرهابيين من نوع اسامة بن لادن الذين «دافعوا» عن الإسلام وهو ليس متهماً حتى وضعوه في قفص الاتهام، وأفقدونا الحجة ضد الآخرين."

 
في السياق نفسه، ختمت الطحاوي بالقول "حين أقرأ أن مسلما قتل 68 من الحجاج، أعترف أني أبدأ بالتساؤل إن كان بإمكاني الاستمرار بمشاركة عقيدتي مع هذا البربريز لكن بنظرة إلى قيم ديانتي التي أقدرها، كالمسامحة، العدالة الاجتماعية والاهتمام بالضعيف والمحتاج، أطالب بها بعنف. لن أترك الاسلام للبرابرة."

 
بالطبع، قدم المشتبه بهم المعروفون خدمة لويلدرز بالرد العنيف على الفيلم.

فقد "أدان" المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، محمد الحسيني، الفيلم  "بشدة" واصفا إياه بأنه "فيلما مناهضا للإسلام ومهينا." (وهذا صحيح). وأضاف أنها "بادرة وسخة" من وايلدرز وموقع لايف ليك.

ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية "إيرنا" أن الحسيني حذر من تداعيات هكذا ممارسات استفزازيه وطالب بالتدخل السريع للحكومتين الهولنديه والبريطانيه وكذلك الاتحاد الاوروبي لوضع حد لعرض هذا الفلم المسي‌ء والمعادي للاسلام والمناهض للثقافه .

وكانت إيران قد هددت في وقت سابق بقطع علاقاتها مع هولندا بسبب الفيلم، فيما كانت ردات الفعل في مصر أقل ضراوة.

فبحديث مع موقع منصات قبل إطلاق الفيلم، قال إبراهيم الهديبي من جماعة الإخوان المسلمين أنه بالرغم من أنه يعارض حجب الفيلم، فأن العديد من المسلمين سيجدون صعوبة في تقبل "فتنة" كما أن هناك احتمالا كبيرا في أن تداعياته ستكون خطرة.

وتابع الهديبي المنتمي إلى الإخوان المعتدلين "أنا أعارض خطاب الكراهية، كما أعارض منع الفيلم. من المعيب أخلاقيا منع عمل فني. أرحب بالنقد والحوار، لكن هذا الفيلم يخلق نظرة غير متوازنة للأمور، وسيزيد مشاعر الكره بين الأديان."

لكنه يشدد على أن أهم ردة فعل لمثل هذه الأعمال تكون بتجاهلها ليس بالعنف. وأشار إلى أن الوقت قد يكون حان لوضع قانون بقواعد السلوك في مواجهة أعمال مسيئة. كما قدم اقتراحا غريبا بالسماح للمسلمين بإنتاج أفلام ترد على فيلم ويلدرز.

وقال "من المهم عدم اللجوء إلى العنف للرد على أمثال وايلدر الذين لا يريدون غير الاستفزاز. لا تردوا على الفيلم بل على المحتوى بانتاج أفلام مماثلة."

ملاحظة: شارك في التقرير كل من اميرة الطحاوي من القاهرة، الكساندرا سندلز، غرت فان لنغندونغ وريتا باروتا