اخيراً اتفق العرب ولكن على ماذا؟



 
اعتمد مجلس وزراء الاعلام العرب الذي انعقد في القاهرة وثيقة جديدة تحت عنوان "مبادىء تنظيم البث والاستقبال الفضائي والاذاعي والتلفزيوني في المنطقة العربية"، وذلك بعد ساعتين فقط من النقاش، وموافقة كل المشاكرين الا دولة قطر. وتتضمن الوثيقة وضع ضوابط جديدة تلتزم بها جميع المحطات الفضائية العربية.
 
أميرة الطحاوي- القاهرة
 
Arab media


"نص غامض وقامع للحريات ورجعي".. هذا ما وصفت به منظمات إقليمية ودولية وثيقة اعتمدها مؤخرا مجلس وزراء الإعلام العرب لتنظيم البث الفضائي.
فمن بين 22 دولة عربية لم تتحفظ على الوثيقة سوى دولة قطر، في حين تبنتها منذ البداية السعودية ومصر. فبحسب مراقبين، فإن لقاء وزيري الإعلام السعودي والمصرية بداية
الأسبوع الماضي يحمل دلالة على ضغط الدولتين الكبيرتين لإجازة هذه الوثيقة.
وقد اعربت مصر أن الوثيقة دخلت حيز التنفيذ في بلادها بالفعل.
فيما أشارت مصادر مطلعة بأن وثيقة مشابهة يجري العمل عليها بالجامعة العربية للرقابة على النشر الإليكتروني بأنواعه.

الوثيقة محل الجدل والتي تحمل اسم "المبادئ والأطر المقترحة لتنظيم البث والاستقبال الإذاعي والتلفزيوني عبر الفضاء في المنطقة العربية"، والتي تتضمن 18 مادة، هي نتاج لعمل استمر ستة  أشهر من قبل لجنة شملت أكاديميين، بعضهم دافع سابقاً عن قوانين تضيّق من هامش الحريات الصحافية في مصر كما وطالب بالرقابة على النشر الإليكتروني.
وبدعوة من مصر، أضيف التصويت على الوثيقة كبند أساسي في الاجتماع الاستثنائي لمجلس وزراء الإعلام بجامعة الدول العربية والذي بدأ أعماله الثلاثاء الماضي.
وفور التوقيع عليها، أحيلت الوثيقة الى وزارة الإعلام و الجهات المعنية بالإعلام في الدول العربية والاتحادات العربية العاملة تحت مظلة الجامعة العربية.

بالتوقيع على هذه الوثيقة، سيصبح كل ما تتضمنه ملزماً ، باعتبارها "ملحقاً للعقد" المبرم بين المحطة والدولة العربية مانحة الترخيص. وهذا لن يستثني المناطق الحرة.
كل ذلك مع إقرار عقوبات محددة في حالة مخالفة الضوابط الواردة بالوثيقة، تبدأ بإنذار المحطة ومصادرة المعدات والأجهزة المستخدمة، وفرض غرامات وصولا لإلغاء ترخيصها نهائياً.
ورغم احتواء الوثيقة دعوة "حق المواطن في المعرفة وعدم احتكار بث الأحداث الهامة والفصل بين المحتوى الإعلامي والمواد الإعلانية"، إلا أنها حظرت التعرض للرموز الوطنية والدينية والقادة، أو بث ما من شأنه المساس بـ"الهوية والكرامة العربية" وغيرها من عبارات مشابهة اعتبرت شركا للبرامج التي لا توافق هوى النظم الحاكمة بالمنطقة.
كما شددت الوثيقة على إجراءات الحصول على ترخيص للبث وقلصت فرص البث التجريبي.
وبحسب مصادر إعلامية عربية فإنه ينتظر في يونيو القادم أن يعرض على اجتماع وزراء الإعلام العرب المقبل مشروع إنشاء (هيئة أو مفوضية أو مجلس) للإعلام العربي تكون مهمته مراقبة تطبيق الاتفاقية وتلقي الشكاوى حول اختراق أي من بنودها.

مصر طبقت الوثيقة بأثر رجعي
وفي حوار استمر لأكثر من ساعة ونصف -وهو أكثر من الوقت الذي قضاه الوزراء العرب في النقاش حول الوثيقة- ، قال أنس الفقي وزير الإعلام المصري مساء أمس الأربعاء للتلفزيون المصري أن الوثيقة أرسلت بالفعل  في الصباح  لمدينة الإنتاج الإعلامي والقمر المصري نايل سات (حيث تبث كليا وجزئيا عشرات الفضائيات)  لتضمنها في عقودها السابقة وما سيجد من عقود مع أي فضائية تتخذ من مصر مقرا لها أو يوجد بها مكتب أو مراسل.

وقبل أسبوع طلب مسؤولون بوزارة الإعلام المصرية من مدينة الإنتاج الإعلامي عدم التصريح بالبث التجريبي لقناة "الحياة" المصرية التي كان من المقرر بثها يوم 18 يناير الماضي بحجة انتظار تعليمات جديدة.
كما وأوقفت الوزارة بث برنامج " ساعة بساعة" اليومي علي قناة "الساعة" الذي كان مقرراً أن يبدأ في 3 فبراير الحالي.
وقد يؤثر أيضا اعتماد هذه الوثيقة في فضاء الحرية المتوقع بفضائية هيئة الإذاعة البريطانية
BBC  الناطقة بالعربية، والتي ستبدأ بثها من القاهرة في 11 مارس المقبل.
وتتوازى هذه الخطوة مع نية الحكومة المصرية إصدار تشريع وطني بعنوان "قانون الإفصاح وتداول المعلومات"، يقيد حق المواطنين والإعلاميين في الحصول على المعلومات بما فيها سياسة الدولة داخليا خارجيا.
ويعتبر حق الصحافي في الحصول على المعلومة "استفادة فئوية" وليس حقا طبيعياً مكتسباً بحكم المواطنة وطبيعة العمل.

ردّات الفعل
وأصدرت منظمات حقوقية بيانات تنتقد الوثيقة، منها الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان www.hrinfo.org ،التي وصفت الوثيقة بأنها تقيد حرية تداول المعلومات وتفرض قيودا صارمة على حرية البث الفضائي في المنطقة العربية "تحت دعاوى واهية ومبررات فارغة، الهدف منها حصار حق المواطن العربي في المعرفة القائمة على تنوع المصدر واختلاف الرؤى".
ومن بين ما اعتبرته قيودا مطاطة، أوردت الشبكة من متن الوثيقة أمثلة كـ:

-          مراعاة أسلوب الحوار وآدابه.

-          حق المواطن في الحصول على المعلومة السليمة.

-          التقيد بجدول زمني في البث تضعه الجهة المختصة بالرقابة على محتويات البرامج.

-          عدم تناول البرامج التي تقدمها القنوات الفضائية للرموز الوطنية والدينية أو القادة بالتجريح.

-          احترام خصوصية الأفراد وعدم انتهاكها بأي صورة.

-          أن تمارس حرية التعبير بوعي ومسؤولية

وأشارت الشبكة لأن مصر والسعودية تبنتا الوثيقة كونهما "دولتين تعاديان بشكل صريح حرية الرأي والتعبير، وتبذلان قصارى جهدهما لتكميم الأفواه والأصوات المطالبة بالديمقراطية والإصلاح"

وقالت منظمة مراسلون بلا حدود في بيان لها أمس أنه بدلاً من العمل على التخفيف من حدة القوانين الصارمة - في معظم الأحيان - في القطاع الإعلامي، اتحد وزراء الإعلام بالجامعة العربية للضغط على وسائل الإعلام التي تزعج السلطات وتفلت من رقابتها، واعتبرت المنظمة أن السبب في هذا التوجه هو كون القنوات الفضائية "أحدثت ثورة في المشهد الإعلامي العربي منذ ظهورها في المنطقة".
وطالبت المنظمة في بيانها أمين عام الجامعة العربية "عمرو موسى" بالتدخّل لدى الدول الأعضاء لإقناعها بالعودة عن قرارها هذا.

لكن موسى كان قد صرح في كلمة ألقاها مندوب عنه بأن اعتماد هذه الوثيقة ومناقشتها من الوزراء دليل جديد على اتساع مظلة منظومة العمل الجماعي العربي‏، بحيث أصبحت تغطي كل مجالات الاهتمام العربي المشترك وعلى النحو الذي يبرهن على جدوى العمل الجماعي العربي‏.‏
ودعا لضرورة مواكبة هذا الانجاز عبر تحديث ميثاق الشرف الإعلامي العربي والتوافق علي مبادئ لتنظيم البث الفضائي في المنطقة العربية‏، وقال إن هاتين المهمتين اضطلع برعايتهما والإشراف عليهما وزراء الإعلام العرب.

الاستثناء الذي يُستثنى
وتحفظت دولة قطر لى التوقيع لحين مراجعة الهيئات التشريعية لديها.
وردا على استفسار من الوزير المصري، اعتبر مندوب قطر أن التحفظ قانوني وليس سياسيا.
لكن، ورغم التحفّظ، اصبح القرار نافذا من الناحية القانونية بإجماع الوزراء بحسب آلية اتخاذ القرارات بالإجماع بالجامعة العربية.
قناة الجزيرة التي بدأت البث منذ عام 1996 من قطر، دأبت على عرض مواد تنتقد انتهاكات حقوق الانسان في معظم الدول العربية.
وفي إشارة واضحة لقناة الجزيرة، اعتبرت الدكتورة ماجي الحلواني (أستاذة بإعلام القاهرة وعميدة احد أكاديميات الإعلام الخاصة) أن فضائيات عربية دأبت على انتقاد مصر أكثر من تعرضها لأي دولة أخرى، وقدمت الجانب السيئ دون الايجابي بصورة أثرت على الشباب المصري، وهو ما يبرر من وجهة نظرها اتخاذ إجراءات ضد هذه الفضائيات والتي وصفتها بالصفراء.

ملزمة أم استرشادية
ومستبقا موعد توقيع الوثيقة بيوم، صرح وزيرالإعلام الكويتي الشيخ صباح الخالد الحمد الصباح الكويت أنها وثيقة "استرشادية وتنظيمية..وغير ملزمة"، في حين كان تصريح نظيره المصري في نفس يوم التوقيع بأنها "ملزمة لكل الدول العربية".
يذكر أن جدلا في الكويت قد أثير الاسبوع الماضي حول القانون الجديد الذي تعتزم الحكومة الكويتية تقديمه لمجلس النواب للرقابة على المواقع الإليكترونية، كما القي القبض على الناشط الاليكتروني بشار الصائغ لأشهر لانتقاده النظام الحاكم ببلاده.
وبعبارات تبدو في صالح الوثيقة، علق وزير الإعلام اليمني حسن اللوزي بأن وجود تشريع نموذجي سيخرج الكثير من الدول العربية من دائرة التردد والتهيب من التعددية الإعلامية والثقافية ويدفعها للإقدام بكل الثقة بالنفس‏.‏

احذر ..إنهم سيراقبون حتى الSMS
وفي تعقيبه على الصياغة الفضفاضة لبعض مصطلحات الوثيقة مثل "ثوابت الأمة وكرامة الدول" شدد وزير الإعلام المصري أنس الفقي على أن "الحلال بيِّن والحرام بيِّن" وأن القيم والثوابت في كل الدول العربية واحدة، وبالتالي لا مجال لاختلاف في تفسير هذه الثوابت.
وقد اشار الى ان الرقابة ستشمل حتى الرسائل النصية القصيرة التي يرسلها المشاهدون من أجهزة هواتفهم المحمولة للعرض أسفل الشاشة.
الطريف أنه أكد على عدم التعرض للقنوات المذهبية(سنية وشيعية) مشيراً بنوع من الفخر أن هذا نوع من الحرية مكفول في المنطقة العربية في حين لا يوجد في أوروبا حقوق للأقليات في إنشاء فضائيات خاصة بهم، وأن أقصى ما تستطيعه "أقليات أوروبا" في سماهم هو استخدام الانترنت لبث قنواتهم.
وأشار أن قيمة الوثيقة ستنتهي مع انتهاء الاعتماد على البث الفضائي والتحول للتلفزيون الرقمي بحيث يحدد المشاهد مسبقا ما سيشترك فيه من قنوات.
وقدر حدوث ذلك التحول في أقل من 10 سنوات.
وفيما يبدو كنهج متصل، أعلن الفقي أن النية منعقدة لتشكيل لجنة لإصدار وثيقة مشابهة لتقنين النشر الإليكتروني بأنواعه بالمنطقة العربية.

ما يجدر ذكره هو ان هذه الوثيقة ستقيد الحرية الكبيرة التي تتمتع بها فضائيات عربية تتخذ من المناطق الإعلامية الحرة مقرا لها، أشهرها المنطقة الحرة بمدينة نصر ومدينة الإنتاج الإعلامي بمصر، كذلك المنطقة الحرة في دبي بالإمارات العربية المتحدة حيث العدد الأكبر من الفضائيات العربية.