نساء يروين قصصهن



 

هذا التقرير هو  "الحلقة الأولى" من مجموعة تقارير ينشرها معهد صحافة الحرب والسلم تحت عنوان "أصوات نساء عراقيات"، تخبر من خلاله امرأة عراقية معناتها في ظل "الدولة الاسلامية".

 
من مراسل "معهد صحافة الحرب والسلم" في بغداد
 
Iraq, Baghdad. © S.M. / arabimages.com
امرأة عراقية في بغداد سنة 1990- المؤسسة العربية للصورة

عرف حيي السكني في بغداد سابقا بمنازله الفخمة وحدائقه الواسعة.
كان مكانا هادئًا حين انتقلت إليه في 1990.
كنت في الصفوف الإعدادية. وفي عصر كل يوم، كان الأولاد يتدفقون من المدارس وتمتلئ الشوارع بالناس ليعج الحي بالحياة.
كنا غالبا ما نبقى في الشارع حتى منتصف الليل، حتى بعد أن فرضت الأمم المتحدة العقوبات على بلدنا.

كان أكثر ما أحبه في الحي، هو التنوع. وكانت صديقتي المقربة، ثناء، تقيم على بعد مبنيين عن منزلي. رغم أنها كانت مدنيّنة فيما كنت أنا علمانيا، لكن هذه الأمور لم تكن تعنينا كثيرًا. كانت ترتاد الجامع كل يوم تقريبا للصلاة وسماع خطب الأئمة.
ورغم رغبتي في مرافقتها، إلى أن إيماني لم يكن كافيا.

بعد سقوط بغداد عام 2003، تغير كل شيء.
بدأت اسمع قصصا غريبة عن أشخاص قتلوا أو اختطفوا، وكان بعضهم من معارفي. وبدأ السكان ينتقلون إلى مناطق أكثر أمنا.
هنا، ساءت الأمور كثيرًا. بحلول العام 2005، أصبح الحي الذي أقطنه يعرف بأنه أكثر الأحياء خطرًا في العاصمة، بعد سيطرة مجموعة سنية متطرفة تطلق على نفسها اسم "دولة العراق الإسلامية" عليه وأعلنت أنه معقلها في بغداد.
وكان أعضاء تلك الجماعة يجوبون الشوارع ليلا، إما في السيارات وإما سيرا على الأقدام. كانوا يحملون البنادق على أكتافهم ويطلقون النار على الناس في الشوارع إن تجرأوا على "كسر" إحدى "قواعدهم".

كنا نعلم عن "قوانينهم" من شعارات تحذر السكان من التجرؤ على مواجهتهم أو التعامل مع الأميركيين، وتمدح زعيم القاعدة أسامة بن لادن. وكان الجميع يعلم أنهم يستخدمون الجوامع والمساجد للقاءاتهم وجمع الأسلحة. وقد أوضحوا تماما أن أهم أهدافهم هي التلخص من الشيعة.
لم أفكر كثيرًا خلال نشأتي في الطائفية والمذهبية لأنها لم تكن مهمة في حيّنا.
لكنها اقتحمت حياتي في يوم حار حين سمعت طرقا على باب منزلنا، ورأيت أمامي ثناء ووالدتها وقد تلقتا رسالة كتب عليها "ارحلوا أيها الشيعة".

قالت ثناء "انتهى الأمر"، متحدثة لا عن نفسها فحسب بل عن معظم الشيعة المقيمين في الحي، وتابعت "لم يعد بإمكاننا البقاء هنا، فهم يهددون بقتلنا، كما منعوني من الصلاة في الجامع، قائلين أنه للسنة فقط. سأفتقدك".

احتضنا بعضنا وبكينا، ثم رحلت.

بالنسبة إلى من بقوا، تغيرت الحياة بشكل دراماتيكي. رغم كون عائلتي من العلمانيين، كنا ننتمي إلى الطائفة السنية لذا لم نتلق التهديدات المذهبية.
لكن، وللمرة الأولى في حياتي، لم يكن بإمكاني مغادرة المنزل من دون وضع الحجاب أو ارتداء الملابس الطويلة الأكمام والتنانير الطويلة، فيما منع البنطال منعا باتا. كما حرصت على عدم الخروج وأنا مبرجة.
كان أهلي من المتحررين فكريا، ولم يجبروني يوما على ارتداء ما لا يعجبني، لذا ترعرعرت بكل حرية. فجاءت القيود الجديدة صعبة علي، فاضطررت للانصياع للقوانين الجديدة وأنا استغيظ غضبا.

كانت عواقب عدم الانصياع معروفة وواضحة. فقد زارتني صديقة مرة، وصوتها يرتجف لتخبرني أنها كادت تتعرض للقتل. فقد كانت التنورة التي ترتديها طويلة لكن ضيقة وأثارت انتباه أحد رجال الميليشا الذي أوقفها وهدد يقتلها إن تجرأت مرة بعد على الخروج من المنزل بمثل هذه الملابس.
منع الأولاد من ارتداء البناطيل القصيرة أو قص شعرهم بطريقة غريبة، وباتت المدرسة التي كنت ارتادها منقسمة بين الجنسين. وبعد تعرضها للهجوم ومقتل أحد الطلاب، امتنع التلامذة عن الذهاب إلى صفوفهم.

أصبح حينا الأساسي سابقا مهجورا، وأجبرت جميع المتاجر على الإقفال. كانت تلك أسوأ مرحلة في حياتي، وأتمنى أن تبقى ذكرى من الماضي.
بعد عامين من المعاناة المتواصلة، بدأت الأوضاع تتحسن قليلا. فقد أجبر المسؤولون عن الحي الحكومة العراقية على ضّمنا إلى المنطقة الأمنية في بغداد، وساعدنا أعضاء "مجالس الصحوة السنية" على نشر الأمن بعد تعهدهم على التعاون مع الحكومة.
عاد بعض جيراني من سوريا، حيث عانى العديدون منهم من قلّة المال. بالكاد تعرفوا على الحي الذي تحول إلى أنقاض بعد التقال الذي شهده بين المتطرفين المسلمين والقوات العراقية والأميركية.
عادت امرأة شيعية اسمها "أم سلام"، لكنها تقول أن الذكريات أقسى من أن تتحملها، وقد بدأت ببيع أثاث منزلها للرحيل، بعد أن قتل ابنها على يد القاعدة.
قالت لي "لم أعد قادرة على العيش في منزلي. كل حائط منه يذكرني بسلام. كان شابا مسالما وهادئا قتل بسبب طائفته. هذا ليس عدلا."

قررت مؤخرا المخاطرة والتجول في الشوارع، بعد أن منع علي ذلك قبل حوالي الشهرين حيث كنت أنتقل من المنزل إلى الجامعة لأعود إلى المنزل بعد حلول الظلام.
كانت الأحياء ساكنة والقوات الأمنية منتشرة في كل مكان.
لا يزال الحي مهجورا، كمنطقة حرب. دمرت عدة منازل، رغم إعادة افتتاح بعض المتاجر بالمساعدة المالية البالغة 2500 دولار من الحكومة لتحفيز السكان. احترقت بعض الأبنية التاريخية القديمة الرائعة، أو دمرت بالكامل، كما أقفلت أكبر صيدلية في المنطقة.
ينقسم سكان الحي إلى مجموعتين بالمجمل: منهم من يعتقد أن الأمور ستتحسن والأمن سيزداد؛ فيما يؤمن الآخرون أن مجموعة "الدولة الإسلامية" لا تزال نشطة وستعود لتسيطر على المنطقة مجددا.

لذا، وحتى مع التدابير الأمنية المشددة، نبقى خائفين قلقين، مع سؤال وحيد يجول في خاطرنا: هل سنعرف الأمان مجددا؟ 


ملاحظة: لم ينشر اسم الكاتبة ولا اسم الحي لدواع أمنية، كما تمّ تغيير الأسماء الأخرى المذكورة