القضاء المصري: الانحياز لجانب الحرية



 
لقد ورد في الحكم الذي سُمي بالـ "تاريخي"، الصادر عن محكمة القضاء الاداري في مصر - بعد طلب القاضي عبد الفتاح مراد حجب حوالي 50 موقع الكتروني- مبدأين: الأول: يجوز للجهات الحكومية حجب المواقع حينما يكون هناك مساس بالأمن القومي أو المصالح العليا للدولة. والثاني: القذف والشتم والتحقير والتشهير بحق الأشخاص أياً كانوا ليس سبباً مبرراً للحجب رغم أنه موجب للمسؤولية الجزائية والمدنية. المحامي عبد الله سليمان علي، مراسل منصات في سوريا، يشرح قانونياً مسألة "الحرية" و"المسؤولية" في القضاء المصري، على ضوء هذه القضية التي اعطت متنفساً جديداً للناشطين على الانترنت
 
عبد الله سليمان علي
 
Egypt, Juge Murad. R.R.
(.ح.م)

تتلخص وقائع الدعوى التي رفعها القاضي عبد الفتاح مراد وبتاريخ 28 شباط 2007 بأن الأخير طلب من عدة جهات إدارية من بينها وزارة الاتصالات، حجب حوالي خمسين موقعاً إلكترونياً بحجة أن هذه المواقع تمس بأمن الدولة وتسيء لسمعة الرئيس.
كما وأنها ارتكبت جرم السب والقذف والتشهير بحقه شخصياً.
وبعد امتناع الجهات الحكومية عن حجب هذه المواقع، أقام القاضي المذكور دعواه أمام محكمة القضاء الإداري في مصر طالباً منها إلغاء القرار الإداري السلبي المتمثل بامتناع الجهات عن حجب المواقع وبالنتيجة إصدار قرار يلزم الحكومة بحجب هذه المواقع للأسباب التي ذكرها صاحب الدعوى.
وبالمحاكمة التي استمرت مرافعاتها حوالي عشرة أشهر أصدرت المحكمة الناظرة في القضية قرارها التاريخي الذي تضمن المبدأين السابقين.

حجب المواقع محظور دستورياً

يدرك المرء وهو يقرأ حيثيات القرار المذكور، أن المحكمة التي اصدرت هذا القرار تمتلك رؤية دستورية واضحة وتستطيع بحرفية عالية أن تلامس بتفسيرها وتأويلها روح النص الدستوري، وأن تصل إلى حقيقة ما أراده واضع هذا الدستور.
فقد انطلقت المحكمة في حيثيات قرارها من نص المادة 47 من دستور جمهورية مصر العربية التي تنص على أن: "حرية الرأي مكفولة و لكل إنسان التعبير عن رأيه و نشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير في حدود القانون و النقد الذاتي والنقد البناء ضماننا لسلامة البناء الوطني".
وللعلم فإن هذه المادة مطابقة للمادة 38 من دستور الجمهورية العربية السورية.
وفي تفسير دقيق لنص هذه المادة الدستورية، واستشراف حكيم لغاياتها الحقيقية، قالت المحكمة: "إن ما توخاه الدستور من خلال ضمان حرية التعبير هو أن يكون التماس الآراء والأفكار وتلقيها عن الغير ونقلها إليه غير مقيد بالحدود الإقليمية على اختلافها، ولا تنحصر في مصادر بذاتها بل قصد أن تترامى آفاقها وأن تتعدد مواردها و أدواتها".
ولا تتردد المحكمة في إعلان أن الحرية هي الأصل وأن القيود التي يفرضها المشرع على تلك الحرية تمثل استثناء من الأصل الدستوري المقرر بكفالة وضمان حرية التعبير وبالتالي يجب أن تكون في أضيق الحدود و للضرورة القصوى.
وبناء على ذلك رأت المحكمة أنه يستفاد من رفض جهة الإدارة الاستجابة لطلب المدعي بحجب المواقع أنها (أي الإدارة) قد انحازت للأصل وهو "حرية التعبير" ورفضت الاستثناء وهو "التقييد"، إذ أن حجب موقع بالصحافة الإلكترونية هو من ذات جنس حظر صحيفة مكتوبة بجانب أن كل ذلك قيد علي حرية التعبير محظور دستوريا.
وبعبارة أخرى، كأن المحكمة تقول أن حجب المواقع من المحظورات الدستورية غير الجائزة لأنه يخالف نص المادة 47 من الدستور المصري والتي تكفل حرية التعبير كأصل أساسي لا يجوز الحياد عنه.

حجب المواقع والأمن القومي ومصلحة البلاد العليا

تنص المادة /19/ من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن:
1- لكل إنسان حق في اعتناق أراء دون مضايقة
2- لكل إنسان حق في التعبير و يشمل هذا الحق حريته في التماس دروب المعلومات و الأفكار و تلقيها و نقلها إلى الآخرين دونما اعتبار سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأي وسيلة أخرى يختارها
3- تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة 2 من هذه المادة واجبات ومسئوليات خاصة وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود و لكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون أو تكون ضرورية:
1- لحقوق الآخرين أو سمعتهم .
2- لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.

وقد لحظت المحكمة أن الدستور المصري في المادة 47 منه جاء مسايراً في أحكامه للاتفاقيات الدولية المقررة لحقوق الإنسان.
كما وكفل حرية التعبير بمدلولها العام و في مجالاتها المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وبجميع وسائل التعبير.
ومن صورهذا التناغم بين الدستور المصري والاتفاقات الدولية، أن الحريات والحقوق العامة التي كفلها الدستور ليست حريات وحقوق مطلقة وإنما يجوز تنظيمها تشريعياً بما لا ينال من محتواها إلا بالقدر وفي الحدود التي ينص عليها كما جاء في الفقرة الثالثة من المادة 19 من العهد الدولي المذكورة أعلاه.

وهنا تدرك المحكمة وجود نقص تشريعي في الموضوع المطروح أمامها.
فالتشريعات المصرية لم تتحدث عن المواقع الالكترونية ولم تضع ضوابط وحالات لحجب هذه المواقع. فما العمل؟
الأمر في غاية البساطة، لمن لديه رؤية دستورية واضحة، كتلك المحكمة مصدرة القرار.
ما علينا سوى إعمال الفقرة الأخيرة من المادة 19 من العهد الدولي للحقوق السياسية والتي تجيز وضع قيود على الحريات العامة، لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.
وتطبيقاً لذلك تقول المحكمة : "إن هذا الفراغ التشريعي لا يخلُّ بحق الأجهزة الحكومية من إلزام مزودي الخدمة بالحجب حينما يكون هناك مساس بالأمن القومي أو المصالح العليا للدولة وذلك بما لتلك الأجهزة من سلطة في مجال الضبط الإداري لحماية النظام العام بمفهومه المثلث الأمن العام؛ الصحة العامة؛ السكينة العامة".
مع ملاحظة أن تفسير هذا القيد بما يتضمنه من جواز حجب المواقع في الحالات المذكورة، يجب أن يفسر تفسيراً ضيقاً لا توسع فيه.

الحرية على حساب المسؤولية

أما بخصوص ما استند إليه المدعي في طلب حجب بعض هذه المواقع لارتكابها جرائم في حقه تشكل سبا وقذفا و تشهيرا، فإنه و إزاء الفراغ التشريعي المنظم لدواعي الحجب وحدوده وتوقيتاته، فإنه نزولا على القاعدة الأصولية التي تقضي بترتيب المصالح في ضوء مدارجها عند التعارض، فإن المحكمة ترجح الانحياز لجانب الحرية على حساب المسؤولية.
وذلك إلى أن يتدخل المشرع بسد هذا الفراغ التشريعي تنظيما لذلك القيد لضمان التوازن بين حرية التعبير و ضمان حماية الحريات الخاصة.
وتأخذ المحكمة في الاعتبار وبخصوص الحالة الماثلة أن المخالفات التي يأخذها المدعي على بعض المواقع بأنها تسببت في التعرض له بالإهانة فإن ذلك يسوغ له ملاحقة مرتكبيها جنائيا ومدنيا إلا أنها لا تبرر حجب هذه المواقع بالكامل لما تحتويه المواقع كما هو معلوم من ألاف المعلومات الأخرى التي يستفيد منها كل من يسعي إلي المعرفة و بالتالي يطولهم عقاب الجهة الإدارية في حالة حجبها الموقع.

وهنا لا يسعنا، إلا أن نتذكر بأسف التعميم "سيء الصيت" الذي أصدره وزير الاتصالات السوري بتاريخ 25/7/2007 ونقارنه مع المبدأ الذي رسخته محكمة القضاء الإداري بمصر، لندرك مدى الهوة التي تفصل بين هذا التعميم وبين نصوص الدستور.
ألم تكن الذريعة الأساسية والوحيدة التي اعتمدها ذلك التعميم لحجب المواقع هي الإساءة إلى سمعة الأشخاص أو توجيه اتهامات لهم دون دليل؟
هل علينا دائماً أن ننتظر القضاء المصري ليفسر لنا نصوص دستورنا؟
وختاماً فإن القرار المذكور هو تعبير صحيح عن إرادة واضع الدستور وتفسير دقيق لأحكامه. نأمل من قضائنا أن يتبناه ويأخذ به.
كما نأمل أن يكون قضاؤنا كالقضاء المصري منحاز دائماً لجانب الحرية على حساب المسؤولية.

عبد الله سليمان علي