الانترنت في خدمة مكافحة الفساد



 
هل تحمل معك آلة تصوير؟ إذاً أنت مزوّد بسلاح فعال! إنه سلاح قادر على كشف الحقائق وإثبات التهم وحتى...ردع المجرمين!
 
ليال عبدو مراسلة منصات - Menassat.com
 
Morocco, video sniper © R.R.


"القناص"!
ليس هذا اسم انتاج هوليودي خرج حديثاً إلى الأسواق، بل أمراً واقعاً يثير مدّ وجزر المواقف والتعليقات في المغرب.
يعرّف هذا الرجل المجهول الهوية عن نفسه على موقع "يو تيوب" You Tubeالالكتروني، تحت إسم "قناص تارغيست". سلاحه؟
كاميرا فيديو.
بعدما نشر أربعة شرائط فيديو قصيرة، ما بين شهري تموز / يوليو وتشرين الأول / أكتوبر، على الموقع المتخصص في تبادل الأشرطة المصوّرة، أثار مواطن مغربي نقاشاً واسع النطاق حول ظاهرة اجتماعية متجذرة في المجتمع المغربي: الفساد.
يُظهر هذا المصور، الذي لم يكشف النقاب عن هويته حتى الآن، رجال شرطة يجمعون "البخشيش"، بتوقيفهم عن غير وجه حق، سيارات ومركبات مارّة على طريق عند مدخل "تارغيست"، وهي قرية صغيرة في شمال المغرب.
مغربيون آخرون عمدوا بدورهم إلى بث أشرطة مصوّرة تندد بالفساد وغيره من الظواهر الاجتماعية كالدعارة مثلا. لقد تم توقيف رجال الشرطة الأربعة وهم متلبسين.
 
في مقابلة أجرتها معه صحيفة "تيل كيل" TelQuelالمغربية، يؤكد "القناص" أنه "مجرد مواطن مغربي يحلم بمغرب أفضل، تعمل فيه الأجهزة الأمنية على حماية المواطنين لا على تجريدهم من مكاسبهم، كما هي الحال السائدة اليوم".
 
في قرية صغيرة معلقة على سفح جبل، عقد مواطن عزمه على فضح الفساد المستشري على حساب الناس والذي ينكد عليهم عيشهم.
رصد المكان المناسب ليسلط آلة تصويره، مرة واثنتين وثلاثة وأربعة، على رجال شرطة يسترسلون بممارساتهم الفاسدة بحق مواطنين عزّل.
سرعان ما تحوّل هذا "القناص" إلى نجم احتلت شرائطه مساحات موقع "يو تيوب"، كما بات يشكل مثالاً احتذت به أعداد كبيرة من هواة التصوير، عمدوا بدورهم إلى رصد مكامن الفساد والتنديد بها علانية.    
 
في 8 تموز / يوليو الماضي، بث "القناص" للمرة الأولى، تسجيلا لم يتضمن أي تعليق صوتي، على الموقع الأميركي المخصص لتبادل المنتجات المصوّرة "يو تيوب" You Tube.
يظهر هذا الشريط رجلي شرطة متمركزين على طريق محاذ لقرية "تارغيست" في دائرة الريف الأوسط، يمدّان يديهما ويأخذان أوراقاً نقدية من سائقي شاحنات صغيرة وسيارات يعمدان إلى إيقافهم واستجوابهم، فيما يمرّ على الشريط نص مكتوب يشجب "ممارسة فاضحة لجرم الفساد تشجع الارهابيين وتجار المخدرات على الامعان في ممارساتهم."
 
منذ ذلك الحين، نشر "قناص تارغيست" على شبكة الانترنت شريطاً مصوراً ثانياً يظهر أيضاً رجال شرطة متورطين في جرم الفساد في المنطقة عينها، وشريطاً ثالثاً يتضمن صوراً للمركز الحدودي في "بني نصار" وآخيراً، شريطاً رابعاً.
 
وفقاً لأرقام مسجلة على الموقع الالكتروني الأميركي، لقد تمّت مشاهدة هذه التسجيلات ما يعادل 400 ألف مرّة. والبعض يرفع هذا الرقم إلى نصف مليون مرّة.
إثر نشر هذه التسجيلات المصوّرة، قرّرت السلطات، وفقاً لبعض المصادر، إرسال وحدات مراقبة مؤلفة من رجال شرطة باللباس المدني ويستقلون سيارات مموّهة، بهدف إلقاء القبض على المرتشين، بالجرم المشهود.
 
كشفت المجلة الأسبوعية "تيل كيل" TelQuelمنذ بضعة أسابيع، أن شرطة "الهسيمة"، وهي مدينة قريبة من "تارغيست"، قد أستجوبت عدداً كبيراً من الشبان، ومن بينهم "القناص"، في إطار هذه القضية.
لقد تم استدعاؤهم للإدلاء بشهاداتهم أمام القضاء بصفتهم شهوداً على جرم رجال الشرطة المفسدين، إذ تم اعتبارهم، على ما يبدو، شهود ادعاء.
إن صور الفيديو التي "قرصنها" "القناص" أسفرت عن إصدار أحكام بالسجن بحق تسعة رجال شرطة، كما عن تشكيلات وتبديلات في المواقع طالت آخرين.
 
"إن رجال الشرطة والمفسدين المتورطين في قضية فساد في "تارغيست" تعرضوا لملاحقة قضائية وتم تقديمهم إلى العدالة" على ما أعلن الدرك الملكي المغربي في توضيح أوردته وكالة الأنباء المغربية MAP(Maghreb arabe Press)إثر صدور معلومات في الصحف المغربية تتعلق بقضية الفساد في "تارغيست".
ويفيد المصدر عينه بأنه "تمّ التعرف على مصوّري أشرطة الفيديو الذين كشفوا هذه الممارسات والأفعال، وقد جرى استدعاؤهم للإدلاء بإفاداتهم.
"فهم سيمثلون"بصفة شهود، كما تنص عليه الاجراءات القضائية".
لقد جاء هذا التوضيح إثر ما نشرته الصحافة من معلومات عن توقيف شبان في محلة "تارغيست"، وهي توقيفات حصلت بعد وضع تسجيل رابع لـ"قناص تارغيست" الذائع الصيت، على شبكة الانترنت.
 
هل تصبح الانترنت السلاح الأمضى في مواجهة الفساد؟
إن "قناص تارغيست"، بإفساحه المجال أمام إلقاء القبض على رجال شرطة متورطين في أعمال فساد، قد أطلق العنان لأسلوب مراقبة فعال، وكتوم، وزهيد الكلفة.
وهذا دليل حاسم على إمكانية استخدام عملية تبادل أشرطة الفيديو لأهداف مدنية تعزز الحقوق العامة والمواطنية.