المدونات المصرية: نوع جديد من الإعلام البديل أو الصحافة الشعبية.



 
في الحقيقة، فإن الأشكال التي يمكن أن يُطال بها المدونون عديدة... تطرح مثل هذه القضايا مسألة صلاحية السلطات المصرية في محاسبة المدونين.
 

تقرير أعدته يولا أحمد.

 
Egyptian blogger Abdul Karim Suleiman, a.k.a Karim Amer, after being sentenced to four years in prison. (AFP)


مصر - تنتشر المدونات بكثرة في مصر حيث يعتبرها كثيرون منبراً للتعبير عن آرائهم بمعزل عن أية قيود، أقله نظرياً.
ويتناول المدونون في هذه المساحات مواضيع اجتماعية، ثقافية، فنية، سياسية وشخصية. إلا أن التدوين يأخذ في حالة بعضهم بعداً آخراً حيث يصبح مصدراً للأخبار التي لا تتناولها الصحف مثل قضايا التعذيب داخل مراكز الشرطة، أو التحركات العمالية مثل إضراب عمال غزل "المحلة"، عاصمة صناعة الغزل والنسيج في مصر.
كما أن المدونات تستخدم للتعبير عن آراء المعارضة وقد تصبح وسيلة للدعوة إلى التظاهر عند الحاجة.
 
وبشكل عام، فإن التعبير عن الرأي بكل حرية مهم لكل المدونين إلى جانب الفوائد الأخرى التي يجنونها من المدونات.
وفي هذا الإطار يقول عمرو غربية، صاحب مدونة "حوليات صاحب الأشجار"، "إذا كنت تسأليني لماذا أتكلم، فإني لا أملك عادة جواباً عن هذا السؤال.
فحرية التعبير قيمة جوهرية وثمة من يعتبر أن الحق في التعبير هو أكثر الحقوق أساسية. إلا أنه يمكنني أن أخبرك بالمقابل لماذا يختار الناس النشر عبر الإنترنت على أية وسيلة أخرى: لأنه أرخص، أبسط، أكثر ذاتية وأكثر بكثير ديمقراطية".
 
المدونات: صوت الجيل الجديد
 
أما كريم البحيري، صاحب مدونة "عمال مصر"وأحد العاملين في شركة غزل المحلة فيقول إنه يعتبر التدوين بمثابة "طوق نجاة للتعبير عن آرائه بشكل حر وبدون قيودولنشر الحقائق التى تخفيها بعض الجرائد".
أما الأسباب التي دفعته إلى الاهتمام بأخبار العمال بالذات فهي "شعوره بمأساة هذه الطبقة" ورغبته في مساعدتهم على التعبير عن مشاكلهم وبالأخص "انا الطبقة العاملة طبقة مظلومة فى مصر فالعمال ليس لهم حزب يتحدث باسمهم رغم ان هذا ابسط حقوقهم واغلبية الاحزاب فى مصر لا تضعهم فى البرنامج الخاص بها".
 
وتجدر الإشارة إلى أن مدونة "عمال مصر" هي مثال على تسليط المواطنين الضوء على مشاكلهم وحث الإعلام المكتوب والمرئي على الاهتمام بها.
ولقد بدا ذلك واضحاً من تغطية البحيري لإضراب عمال غزل المحلة في أيلول/سبتمبر الماضي وغيرها من التحركات العمالية. ونظراً لتغطيته الحدث بالصوت والصورة فقد ارتفع عدد زوار مدونته في سبتمبر إلى 27000 شخص كما يقول البحيري.
 
إلا أن نموذج استخدام الإنترنت كوسيلة للضغط السياسي فيقدمه الإخوان المسلمون الذين لجأوا كذلك إلى التدوين لتسليط الضوء على قضايا من مثل حرية الرأي والتعبير وملفات المعتقلين من الإخوان والتعديلات الدستورية والإنتخابات البرلمانية. ومن مدوناتهم "أنا إخوان"، "القصاص للجميع"، "يتنفس بصعوبة"، "انسى" (وهي مدونة تتحدث باسم المعتقلين)، "مش هنبطل"، "أنا مش معاهم" وغيرها.
 
وتحاول هذه المدونات أن تحشد الدعم لأعضاء و قياديين من الإخوان لدى إلقاء القبض عليهم كما حصل مع عصام العريان، رئيس القسم السياسي للجماعة، الذي أفرجت عنه السلطات المصرية في أوائل تشرين الأول/أكتوبر بعد احتجازه لما يقارب الشهرين.
لذلك يصف البعض هذه المدونات بأنها "الجناح الإعلامي للحركة".
 ويقول مارك لينش، الباحث الأميركي، في مدونته "أبو خنزير الأرض" (Abu Aardvark)إن "المدونين من الإخوان المسلمين يمثلون ظاهرة مهمة جديدة".
وهو ينقل عنهم قولهم بأن التدوين يسمح لهم بإبراز الجانب الإنساني من شخصهم كما يتيح لهم فرصة بناء روابط وعلاقات فيما بينهم.
 
ويضع عبد المنعم محمود الصحفي والناشط في جماعة "الإخوان المسلمين"، المسألة ضمن منظور أوسع إذ يرى أن "هامش الحرية بات ضيقاً على كل المصريين وبكل طوائفهم وايديولوجياتهم".
من هنا جاء دور المدونات التي قامت بكسر "احتكار الدولة للإعلام وأيضاً بفتح مصادر للمعلومات عن مصر وبشكل جديد وشعبي"، كما يقول محمود.
 
إلى جانب ذلك، فإن التدوين أتاح الفرصة أمام الجيل الجديد من الإخوان والأصوات الداعية للإصلاح منهم  للتعبير عن أنفسها بأسلوب سهل بعيداً عن اللغة التي تستخدمها كوادر الجماعة وقياداتها.
 إلا إن لحرية التعبير ثمناً كما ظهر في قضية المدون عبد الكريم نبيل سليمان (المعروف باسمه المستعار كريم عامر) الذي حكم عليه بالسجن لمدة أربع سنوات في شباط/ فبراير الماضي بتهمتي إزدراء الأديان وإهانة رئيس الجمهورية.

طبعاً، ليست هذه المرة الأولى التي يتم فيها اعتقال مدون مصري أو يهدد بالإعتقال كعلاء عبد الفتاح الذي أمضى أربعين يوماً في السجن العام الماضي بسبب نشاطه السياسي.
 إلا أن الحكم الصادر بحق سليمان هو أول قرار قضائي يصدر ضد مدون في مصر.
وتجدر الإشارة كذلك إلى أن السلطات اعتمدت أسلوب إسقاط مدونات سياسية مما يؤدي إلى اختفائها من الشبكة أو إعاقة الوصول إليها إلا من خارج مصر.
وثمة من ربط خطة تخفيض سعر الإنترنت فائق السرعة (ADSL) مقابل تحديد سعة التصفح، بالسعي إلى "تحجيم المدونات".
 
الصعوبات التي تواجه المدونين
 
ومن المسائل التي أثارت انتباه الرأي العام كذلك في الأشهر الأخيرة، قضية اعتقال محمود للمرة الثالثة في نيسان/إبريل الماضي بعد أن قدم شهادته في مؤتمر القاهرة الخامس عن التعذيب الذي تعرض له على يد مباحث أمن الدولة في مقرها في مدينة نصر (القاهرة).
كما أنه كتب في مدونته "أنا إخوان" مقالاً مؤثراً في هذا الإطار. وتجدر الإشارة إلى أن محمود الذي تم الإفراج عنه في وقت لاحق هو من أوائل الذين بدأوا نشاط التدوين الإخواني وشجعوا عليه.
 
ويبدو أن المعاناة هي التي دفعت به باتجاه الإعلام الإلكتروني عقب خروجه من السجن في تشرين الأول/أكتوبر 2006، حيث يجيب عن سؤال يتعلق بهذا الموضوع بأن وسائل الإعلام وغيرهم "كانوا يبحثون عن صراعات وإيديولوجيا الجماعة بينما لم يبحثوا عن الإنسان الذي ينتمي إلى هذه الجماعة، فقررت أن أبرز الجانب الإنساني لشخص مثلي ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين".
 
وتطرح مثل هذه القضايا مسألة صلاحية السلطات المصرية في محاسبة المدونين.
 فثمة من يقول بأنه لا عنوان للمدونة على الشبكة التي تعد فضاء عاماً وإن وجد مثل هذا العنوان فهو في الواقع عنوان البلد الذي يستضيفها والذي تطبق قوانينه عليها.
وفي المقابل ثمة من يعتبر من رجال القانون أن للقضاء الوطني أحقية في ملاحقة أصحاب المدونات عما ينشرونه على الإنترنت إن كان محتواه يشكل جريمة من جرائم النشر اعتماداً على الصلاحية الشخصية.
وفي هذا الإطار، فإن أحكام المادة 217 – إجراءات جنائية – من القانون المصري تنطبق على جرائم المدونين.
 وتنص هذه المادة على أنه "يتعيّن الاختصاص بالمكان الذي وقعت فيه الجريمة أو الذي يقيم فيه المتهم أو الذي يقبض عليه فيه ...".
 
في الحقيقة، فإن الأشكال التي يمكن أن يُطال بها المدونون عديدة.
وعلى سبيل المثال فإن المدون غربية لدى إتصال موقع "منصات" به، كان قد أُطلق سراحه بكفالة "والسبب في ذلك، كما يشرح، لا علاقة له البتة بما كتبته بل بسماحي للآخرين بترك التعليقات [على مدونتي].
فأنا أُحَمَّلُ (بضم الألف) مسؤولية مضمون لم أكتبه بنفسي".
 
أما البحيري فلقد قابل أيضاً فى عمله فى مدونته الأخرى التى تهتم بشؤون السياسة المصرية ومنها قضايا التعذيب والمظاهرات  " الكثير من مضايقات الامن"، على حد تعبيره.
كما أنه أحيل مؤخراً إلى التحقيق إلى جانب 28 عاملاً بتهمة تحريض عمال غزل المحلة على الإضراب.  
 
لا عجب إذاً وفي ظل هذه الظروف التي تطال الكثير من الصحفيين في العالم، أن تعتبر منظمة "مراسلون بلا حدود" في تقرير صادر عنها أن المدونين عرضة للتهديد شأنهم في ذلك شأن الصحفيين العاملين في وسائل الإعلام التقليدية.
وتقول المنظمة في هذا الصدد أن الحكومات "أدركت الدور الأساسي الذي يؤديه الإنترنت في النضال في سبيل الديمقراطية وراحت تلجأ إلى وسائل جديدة لفرض الرقابة على الشبكة".
لذلك فلقد عمدت إلى اصدار كتيب لمساعدة الراغبين بالتدوين على تفادي الرقابة على الإنترنت.
 
على أية حال، فإن التحديات التي يواجهها المدونون المصريون لم تثنهم عن سعيهم ويقول محمود في هذا الإطار إنه شعر "أن الذي يؤرق هذا النظام هو الحراك الذي نحدثه لذلك قررت أن أواجه هذه الضغوط بمزيد من العمل والنضال من أجل طلب الحرية والوقوف أمام استبداد وقهر هذا النظام لي ولكل الشعب المصري".
وفي المقابل، فإن المصريين لم يتوقفوا عن متابعة المدونات إذ تشهد مصر حالياً زيادة في عدد مستخدمي شبكة الإنترنت الذين يقدر عددهم ﺒ 55,7 بالألف من السكان حسب تقرير صادر عن الإتحاد الدولي للإتصالات عام 2004.
وعلى الرغم من انتشار مقاهي الإنترنت في العاصمة المصرية القاهرة، إلا أن ذلك لا يعني أن استخدام الإنترنت متاح للجميع بسبب حاجز اللغة والمورد المالي.
وفي هذا الإطار، يقول البحيري إنه يقابل الكثير من العقبات من مثل عدم امتلاكه لمصدر دخل غير راتبه الذي لا يتعدى 200 جنيهاً مصرياً (ما يوازي 36 دولاراً أميركياً تقريباً*).
وذلك له تأثير على عمله حيث يتعذر عليه تغطية مساحة واسعة من الإضرابات العمالية سوى بالإتصالات الهاتفية والرسائل التي تصله من مصادره.
كما أن استخدام الإنترنت يكلفه في الأيام العادية 6 جنيهات وهو معدل يزيد لدى تحضيره أشرطة الفيديو إذ يبلغ 20 جنيهاً.
 
إلا ان إقبال مستخدمي الإنترنت على المدونين يعوض على هؤلاء ما يواجهونه من مشقات.
 وهذا ما يمكن ملاحظته من تعليقات زوار مدونتي نورا يونس، وحسام الحملاوي وهما صحفيان، إلى جانب مدونات كل من محمد الشرقاوي وعمر الهادي وكريم الشاعر وغيرهم.
 وفي إقرار لأهمية المدوناتمنح المركز الدولي للصحفيين في الولايات المتحدة الأميركية وائل عباس، المدون والصحفي المصري، جائزة "فرسان الصحافة الدولية" لعام 2007.
وتجدر الإشارة إلى أن "الوعي المصري" وهي المدونة التي يملكها عباس، شهرة واسعة بسبب تسليطها الضوء على مواضيع جريئة مثل تعذيب المواطنين داخل أقسام الشرطة.
 ولقد بلغ عدد قرائها شهرياً مليون قارئ معظمهم من مصر كما يقول عباس في حديث مع البي بي سي.
وبذلك فإن المدونة خرجت من الدور الذي أنيط بها في البداية كتسجيل اليوميات لتشكل نوعاً جديداً من الإعلام يسميه البعض الإعلام البديل أو حتى الصحافة الشعبية.
  
*يبلغ سعر صرف الدولار بالعملة المصرية 5.55 جنيهاً تقريباً
 
ادوات:
 
من موقع "منصات" Menassat.com
كيف تبقي هويتك سريّة على الإنترنت: دليل المستخدم  مقال يفيد عن دليل جديد يطلع المستخدم على كيفية تجاوز الرقابة المفروضة على الانترنت، نشره "مختبر المواطن" التابع لجامعة تورونتو.
 
من منظمة "مراسلون بلا حدود": كتيّب المدونين والمنشقين الافتراضيين متوفر للتحميل بالفرنسية والانغليزية والعربية.