التغطية الإعلامية لمعركة نهر البارد: إصبع على الزناد وإصبع على الجرح؟



 
من على متاريسهم، حاولوا تغطية سير المعارك، شمال لبنان، في مخيّم نهر البارد (أو في محيطه)، لنكون أكثر دقّة
 

ريتا باروتا مراسلة منصات - menassat.com

 
TRIPOLI : Advertising campaign poster supporting  the lebanese army. © Caroline Poiron / arabimages.com
الحقوق محفوظة

التغطية الإعلامية لمعركة نهر البارد: إصبع على الزناد وإصبع على الجرح؟
 
كحال كلّ حرب، يجنّد الاعلام نفسه ليصبح سلاحاً من نوع آخر.
لكن المعركة هذه المرّة ليست ككل المعارك في لبنان: العدو ليس صهيونيّاً والمدافع هو الجيش اللبناني، الذي استتر لزمن طويل وراء شعارات -لن ندخل في دهاليز تفسيراتها- حالت دون خوضه أي نوع من المواجهات لأكثر من ثلاثة عقود.
من على متاريسهم، حاولوا تغطية سير المعارك في مخيّم نهر البارد (أو في محيطه، لنكون أكثر دقّة): إعلاميون يحاولون نقل الحدث بما يسمى الشفافية.
 
إنها معركة نهر البارد بين إسلاميين استوطنوا مخيماً للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، معتمدين تسمية إيديولوجية مركّبة هي "فتح الإسلام". فوقعت الواقعة بين هؤلاء المتشددين "الآتين من خارج الحدود" على ما درج وصفهم، وبين "الشرعية اللبنانية". ولكن، هل تمّت تغطية "البارد الساخن"، إعلامياً، كما يجب؟
 هل ساند الاعلام الجيش متسلحاً بالوطنية، أو كانت الوطنية مجرّد خباء استتر وراءه عدد كبير من الإعلاميين لتبرير عدم إقدامه على خرق الجبهات المشتعلة؟
 أم أن اعتبارات أخرى أوجبت تلكوءهم وتلطيهم وراء متاريس التقارير المستشعرة عن بعد؟
 ألم يكن "الأمر لهم"، خلافاً للشعار الذي واكب معارك الجيش -"الأمر لك"- الذي أكد الدعم الشعبي والرسمي المطلق لعملياته الميدانية، بل فوّضه قرار الحرب والسلم والحسم دون سواه من القوى العسكرية والسياسية، الداخلية والخارجية؟
 وهل اللوم، كما في مرّات كثيرة، يقع على انقسام المشهد الاعلامي، كما السياسي، بين معسكرين وأكثر؟
 
جلس أبو محمود مسمّراً أمام شاشة تلفازه.
"لحظة، يا بنتي، شوفي شو عم بيصير! قذائف ودمار وأولادنا الطاهرون يموتون، يموتون.
المشكلة أن هذه الصحافية التي تغطي الحدث، تقف آلاف الأمتار بعيداً عن الحدث. وكيف تريدين أن نصدق ما يجري؟"
أبو محمود شأنه شأن كلّ لبنانيّ جلس أمام تلفازه أو جريدته اليومية، يواكب معركة مخيّم نهر البارد.
يحاول جاهداً أن يتخيّل ما يجري، وأن يلحق بركب ما ينهال على مسامعه من أخبار، لينفي اليوم ما كان يعتبره حقيقة في الأمس.
"الجيش على المحك!" قالها لي حين سألته عن تقويمه لأحداث نهر البارد ومقاومة الجيش الباسلة.
وأتتني التتمة من أم كريم التي كانت تسترق السمع إلى حديثنا رغم انهماكها بأكياس الخضار الثقيلة التي تحاول حملها: "طبعاً الجيش على المحك، ولكن، ألا تعتقدون بأن هذه المسرحية آن لها أن تنتهي؟
بيانات هي نفسها يزفونها إلينا كل يوم.
أيعتقدون بأننا على هذا القدر من السخف؟"
 
ما كاد يطلع فجر اليوم الاوّل من المواجهات الميدانية في 21 أيار / مايو 2007، حتى ارتسمت معالم "معسكرين"، لا على الأرض، بل على...الورق، وتحديداً في الاعلام المكتوب: معسكر أول يحمّل الجيش أخطاء الحكومة (معسكر المعارضة)، ومعسكر ثانٍ يسجل دعمه المطلق للمؤسسة العسكرية (معسكر الموالاة).
واعتبر البعض بأن الجيش وقع ضحيّة المأزق السياسيّ وانعدام التجهيز العسكري.
والبعض الآخر رأى بأن هذه المعركة هي من أكثر المعارك التي واجهها الجيش شراسة ًً.
أقلّه هذا ما عنونت به بعض الصحف صفحاتها الاولى، منذ اندلاع حرب مخيّم نهر البارد.
 
فقد جاء في دراسة للمحلل في صحيفة "النهار" ميشال أبو نجم، وهي الأكثر دقّة في تشريح تغطية الصحيفتين الأوسع انتشاراً في لبنان ("الأخبار" و"النهار")، أن الاشكالات بين الجيش وبعض الجهات الاعلامية برزت منذ اليوم الأول للمعارك، وذلك من خلال "تدفق بيانات قيادة الجيش وبلاغاتها، التي كانت تصحح فيها أو توضح معلومات تمّ نشرها، ولم تتردّد في إنذار بعض الصحافيين في اللجوء إلى القضاء، بعدما اعتبرت أن مجموعة من المقالات تسيء إلى المعنويات العسكرية" لأنها استندت على معلومات استقوها من شخصيات أصولية قريبة منهم.
أكانت هذه التحذيرات قمة جبل الجليد الذي حدّد طبيعة العلاقة بين مديرية التوجيه في قيادة الجيش اللبناني وجانب من الإعلام المحلي والأجنبي؟
 وهل كان الأداء الإعلامي وراء ظهور المعضلة القديمة الجديدة: هل بث الحقيقة كما هي، في حروب كهذه، يعرّض الجيش و تكتيكاته الحربية، للخطر؟
 هل التشكيك ضمناً ببلاغات الجيش أمر يوازي في مضمونه، الخيانة العظمى؟
 
ولأن التساؤل، حتى بعد انتهاء المعارك، ما زال سيّد الموقف، فقد طرحناه، على "وقاحته"، على العقيد أنطوان بشعلاني، رئيس قسم الصحافة والعلاقات العامة في مديرية التوجيه في الجيش اللبناني.
- هل تمّت تغطية البارد، عقيد؟
- لم ندع أحداً يدخل إلى المخيّم، ولم نسمح بالتصوير. لقد كان منذ بدء المعارك "مقفلاً إعلامياً".
ولكن، نحن لم نخفِ أيّ شيء عن الصحافة.
كانت الأخطار لا تحصى. من واجبنا أن نحرص على الصحافيين.
كانت أرض المعركة أشبه بالمدافن الجماعية!
- ولكن البعض اتهمكم باخفاء المعلومات.
- كان ذلك من أجل الحفاظ على الأمن.
أتصدقين لو قلت لك بأنه حتى اليوم هناك ألغام في كل مكان؟
كل ما كان يخرج عن مديرية التوجيه كان صحيحاً.
الوضع كان خطراً، وبياناتنا كانت شفافة "كالماس". لِمَ نخفي المعلومات؟
وهل إخفاؤها في صالحنا؟
 
"البارد" بلسانهم
أبو محمود "عاش البارد" من منزله.
ولكن هناك من عاشوا "البارد" عن كثب، فتواجدوا عند مداخله وعلى أسطح المنازل المجاورة.
هؤلاء هم صحافيون ومراسلون غطوا الحدث، لا بل "غطوا" المنطقة، إذ افترشوها بأجسادهم ومعداتهم، وراقبوا سير المعارك منذ البداية حتى النصر، و ووفقاً للعبارة التي صمّت آذان مشاهدي محطات التلفزيون على كثرة ما ردّدها المذيعون والمراسلون، "أعطوا ما لديهم". وبتعبير أوضح لغوياً وفعلياًً، أعطوا ما سمح لهم بإعطائه من معلومات.
 
إيليان شاطري، مراسلة المؤسسة اللبنانية للارسال إنترناسيونال (LBCI) أجابت، ومن دون تردّد: "كلا، لم تتم تغطية البارد. قبل جلاء الفلسطنيين من المخيّم، كان بإمكاننا أن نستقي منهم بعض المعلومات.
ولكن المشكلة الحقيقية كانت في الأسابيع الثلاثة الأخيرة قبل انتهاء المعارك."
وعن بيانات الجيش، أفادت بأن "بيانات الجيش لم تتكلم يوماً عن سير المعارك.
هناك فقط 15 بياناً صدر عن قيادة الجيش، وكلها إما نداءات لإجلاء المواطنين وإما دعوات موجهة إلى عناصر "فتح الإسلام" للاستسلام."
ولكن ما كان أكيداً في معركة "البارد" هو تسريب المعلومات الذي حاول الجيش، بشتى الوسائل، الحؤول دون حصوله: "ليس سرّاً على أحد بأن عناصر الجيش نفسهم سرّبوا بعض المعلومات، خصوصاً الصور التي التقطوها بالهواتف النقالة".
إيليان التي اعتبرت بأنها استطاعت تحقيق بعض "السكوبات" الإعلامية (أي سباقات صحفية)، اعترفت بأنه كان هناك "حدّاً أدنى من التغطية الإعلامية لمعارك نهر البارد".